إن أردت أن تخبر الناس بالحقيقة فاصنع لهم خبرًا يحمل التفاصيل، لكن إن أردت الأثر فاصنع لهم عملًا دراميًا متقنًا يحمل الرسالة ويغزل صناعة كافة الأدوات المتاحة بإتقان لرسم صورة مكتملة يستطيع المشاهد من خلالها أن يكون جزءًا من الحدث، فيشاهدون وكأنهم يعايشون، وهذا ما نجح المخرج الكبير بيتر ميمي في صناعته من خلال مسلسل صحاب الأرض، لذا كان الأثر كبيرًا ورد فعل الكيان الصهيوني عليه سريعًا وغاضبًا.
في المقال السابق تحدثنا عن عبقرية السيناريو في المسلسل وهنا سنتحدث عن عبقرية المخرج في غزل تفاصيل العمل التي أزعجت قوات الاحتلال ودفعتهم للرد مرتين في محاولات لقلب الحقيقة وتبرئة أنفسهم، فلم يقدّم العمل بيانًا سياسيًا مباشرًا، ولم يرفع شعارات صاخبة، لكنه فعل ما هو أعمق وأبقى أثرًا؛ أعاد تشكيل الحكاية من زاوية الإنسان العادي، من قلب البيت لا من منصة الخطابة. وهنا تحديدًا يمكن فهم أسباب الانزعاج الذي أبداه الإعلام العبري تجاهه.
المسلسل لا يناقش الحرب بوصفها خرائط وتحركات عسكرية، بل بوصفها يومًا ثقيلًا في حياة أب، ووجعًا مستمرًا في قلب أم، وارتباكًا في عيون طفل، وحيرة طبيبة تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه. هذه الزاوية الإنسانية تُحوِّل القضية من أرقام باردة إلى وجوه حيّة، ومن بيانات رسمية إلى نبض يومي، وهذا ما يخشاه الكيان، حرب السرديات المؤثرة المقابلة للحرب على الأرض، فمن يملك الحكاية، يملك التأثير في الوعي الجمعي.
هنا اختار بيتر ميمي أن يقدم الرسالة عبر التفاصيل، اللون الرمادي هو اللون الرسمي للمشاهد، السيناريو لا يذكرنا بالحدث بل يضعنا في قلبه، حتى الأبطال، فهناك سائق الشاحنة والذي يقوم بدوره الفنان عصام السقا والذي ينقل المساعدات الطبية والغذاء أو الطبيبة التي تعمل تحت القصف، هنا لا يتلقى المشاهد معلومة فحسب، بل يدخل تجربة شعورية كاملة. هذه التجربة تخلق تعاطفًا تلقائيًا، لا يحتاج إلى خطاب مباشر.
ومن هنا يمكن تفسير غضب وسائل الإعلام الإسرائيلية: لأن التأثير العاطفي المتراكم أقوى من أي سجال سياسي عابر، فيتحول الفن هنا من حلقات للترفيه إلى حلقات تحول المشاهد ترفيهًا إلى عنصرًا فاعلًا في تشكيل الرأي العام، خاصة مع عرض المسلسل في الموسم الدرامي الأقوى في العالم العربي، وهو الموسم الرمضاني، وهنا لا يمكن إغفال ثقل الدراما المصرية عربيًا فالمسلسل المصري لا يبقى داخل حدوده الجغرافية؛ بل يمتد تأثيره إلى فضاء عربي واسع، خصوصًا في موسم جماهيري مثل رمضان، هذا الانتشار يمنح العمل قوة رمزية مضاعفة، ويجعل تأثيره يتجاوز الترفيه إلى إعادة صياغة الوعي، ولو تدريجيًا، وربما هنا تكمن قوته الحقيقية: في أنه لم يصرخ، بل همس طويلًا… لكن همسه وصل أبعد مما توقع كثيرون.
