خمسة عشر عامًا تفصل بين صناعة الأسطورة وقتلها، في رواية “ليلة السكاكين”، الصادرة عن دار نوفل في بيروت، للكاتب والمخرج السوري عروة المقداد الذي يتناول فيها تصرّف المجتمعات المتخلّفة مع رموزها، فتخترعهم حين تحتاج إليهم، وتتخلّص منهم حين تنتفي هذه الحاجة. وغالبًا ما تفعل ذلك بإيحاء من سلطة حاكمة، لا تتورّع عن ارتكاب شتّى الموبقات لإخضاع المجتمعات المحكومة، وتحويلها إلى أُلعوبة في يدها، تُدعى فتلبّي، وتُؤمَر فتطيع. ومن نافل القول إن هذا النوع من المجتمعات يتعطّل فيه العقل، ويغرق في التخلّف، ويعيش خارج العصر، حتى وإن استخدم تقنياته الحديثة.
العتيد، الحاوي، والرمّاح
تدور الأحداث في قرية متخيّلة لا تُسمّيها الرواية، وفي أماكن روائية غير موجودة في الخريطة، يجمع بين أسمائها تركيب إضافي، يعود المضاف فيه إلى مكان جغرافي ويعود المضاف إليه إلى محتوى المكان، من قبيل: وادي القبور، نهر الدموع، وادي الجن، سهل العقارب، وادي الدوالي، حقول الذهب، ونبع الدموع. وتجري في زمن روائي ضبابي، لا تحدّده الرواية، لكنّها تشي بتزامنه مع ما سُمّي بالربيع العربي، لا سيّما بنسخته السورية الدامية. وتنخرط فيها مجموعة من الشخوص، لا تُسمّي الرواية معظمهم بالاسم، بل بالكنية، من قبيل: ابن سلامة وابن فهد، أو اللقب، من قبيل: العتيد، الحاوي، والرمّاح. وبذلك، تتموضع الرواية بين الواقع والأسطورة، تدور أحداثها في مجتمع لا تعيّنه على وجه التحديد، ما يجعلها قابلة للحدوث في مجتمعات أخرى، تشترك معه في التخلّف، وغياب العقل، وسيطرة الغيبيات، والخضوع لسلطة استبدادية.
نشأة أسطورية
القرية المجهولة التي تجري فيها الأحداث، هي نتاج أسطورة، يصغي فيها الأب الراعي لوسوسة الشيطان الذي يُقنعه بأنّ ابنته الجميلة تعشق جنّيًّا، فيقوم بربطها إلى جذع شجرة وضربها ليطرد الجنّيّ من جسدها، ما يؤدّي إلى موتها، حتى إذا ما فارقتها الروح، انبجس نبع من الماء يغمر جسدها ويسحبها إلى الأرض. وهكذا، تنشأ القرية من جريمة، تجلب إليها جميع أنواع القتلة والمجرمين، وهو ما تؤيّده أحداث الرواية. ذلك أنّ السلطة الحاكمة، تداهم القرية، بالتواطؤ مع السلطة المحلية فيها، وتمعن في قتل سكّانها لتجعل منها درسًا للقرى الأخرى التي تسوّل لها نفسها التفكير في التغيير. غير أنّ الأمور لا تجري بما تشتهي السلطة القاتلة، فيقوم من يتصدّى للقتلة، ما يشكّل نقطة تحوّل في مجرى الأحداث.
تصنيع الأسطورة
لا تقتصر الأسطرة في “ليلة السكاكين” على نشأة القرية بل تتعدّاها إلى تصنيعها أسطورتها في بداية الرواية، وقتلها في نهايتها، وما بين البداية والنهاية سلسلة من الأحداث، تنخرط فيها الشخوص من موقعَين مختلفين؛ موقع السلطة المستبدّة حيث تتموضع غالبية الشخصيات، ويشكّل الحلقة الأقوى، وموقع مقاومة الاستبداد، الذي تنخرط فيه القلّة، ويشكّل الحلقة الأضعف في الصراع بين الموقعين. وإزاء عدم التكافؤ في موازين القوى، ينجلي الصراع عن هزيمة الأضعف في نهاية المطاف. غير أنّ الرواية تبقي نافذة للأمل مفتوحة على المستقبل، حين يخرج، من بين الجموع، ولد حليق الرأس، حافي القدمين، ينظر إلى البيت المحترق، ويصرخ بأعلى صوته: “حرّية! حرّية!”، ويتوارى عن الأنظار.
يبدأ تصنيع الأسطورة في “ليلة السكاكين” بتصدّي الشاب العشريني ابن سلامة، منفردًا، للقوى الأمنية المسلّحة بالبنادق والسواطير، لدى اقتحامها القرية ذات ليلة، لتأديب القرى الأخرى بها. فيقتل اثنين من المسلّحين، ويحرّر ثلاثة من شبّان القرية المقيّدين إلى حائط معصوبي العيون، وينقذ الفتاة ساجدة، المتحدّرة من عائلة معروفة، من انتهاك شرفها وقتلها. ثمّ يختفي عن الأنظار ليعود بعد 15 عامًا من الاختفاء. هذا العمل البطولي يشكّل بداية تصنيع الأسطورة القروية، فتتمحور الأحاديث حول البطل، يُعجَب به كثيرون وينسبون إليه الأعمال الخارقة، ويحسده آخرون، ويكيدون له، ويتمنّون القضاء عليه. وهكذا، يتحوّل ابن سلامة من شابٍّ، يتحدّر من أسرة مجهولة ويطعن الناس في نسبه، إلى بطل يدافع عن القرية، وينزل إصابات قاتلة بالمعتدين عليها. يتحوّل إلى أسطورة.
قتل الأسطورة
في المقابل، لم ينس الحاسدون والمتربّصون شرًّا، من أزلام السلطة وأدواتها، ابن سلامة، حتى إذا ما عاد، بعد 15 عامًا من الاختفاء، اجتمعوا على النيل منه لأسباب مختلفة. فزاهدة التي أنقذها، أحبّته من بعد، واضطرّت إلى الزواج مكرهة من ابن فهد، المختار وأداة السلطة، والذي راح يطلق الإشاعات حول شرفها ليجبرها على القبول به زوجًا، وهو المتحدّر من عائلة زعران. تزور ابن سلامة وتعرض نفسها عليه، فيواجهها ببرود لتخرج من عنده غاضبة، وتقرّر الانتقام منه. وابن فهد، زوجها الذي أثارت بطولة ابن سلامة حفيظته لا سيّما بعدما عيّره والده به، يقرّر الانتقام منه، ويوعز إلى المخبر عبد الجبّار الوشاية به، غير أنّه لا يلبث أن يكلّف عصابته المعروفة بـ”بنات آوى” التخلّص منه، فتقتله وتقطع جسده، وتؤلّب أهل القرية عليه، فيحرقون منزله، ثمّ تتولّى البلدية جرف ما تبقى من المنزل ومحو آثاره من الوجود. وهكذا، تنجح السلطة الغاشمة في تأليب الناس على مَن دافع عنهم ذات يوم، وجعلوه أسطورة لقريتهم، ليحطّموا الأسطورة بأيديهم، وليثبتوا أنّهم مجرّد رعاع لا يعرفون مصلحتهم، ولا يميّزون بين الصديق والعدوّ، ولذلك، يسهل على السلطة استخدامهم لتحقيق مآربها. هذه الحكاية تتواتر في غير قرية، بشكل أو بآخر، منذ الجاهلية حتى اليوم، حيث يصنع الناس آلهتهم ويلتهمونها إذا ما جاعوا أو ارتضوا أن يكونوا ألعوبة في يد سلطة غاشمة.
سلطة ومعارضة
بين تصنيع الأسطورة والقضاء عليها، سلسلة من الوقائع، تنخرط فيها شخصيات الرواية من موقعي السلطة والمعارضة. ففي الموقع الأوّل، يتموضع المختار والأستاذ والتاجر والمخبر والمهرّب والعسكري، أدواتٍ للسلطة الغاشمة، ولكل أداة دورها في ترسيخها وتحقيق أهدافها. فابن فهد، مختار القرية، يعلم مسبقًا بنيَّة السلطة غزو القرية، ويتواطأ معها على حساب أهلها، يملي على المخبر عبد الجبّار أسماء الذين يرغب في رفع تقارير عنهم بهدف التخلّص منهم، يتّخذ من عصابة “بنات آوى” الرباعية أداة لتنفيذ أعماله القذرة، يتزوّج من ساجدة نكاية بابن سلامة ورغبة منه في تعزيز نفوذه في القرية، ويتوّج دوره بالطلب من عصابته القضاء على ابن سلامة، ويكون له ما يريد. والأستاذ القادم من المدينة، ينطق باسم السلطة ويملي على المختار أوامره والنواهي. والتاجر في المدينة يفتح قصره للاجتماعات والتنسيق بين الأدوات المختلفة. والمخبر عبد الجبّار يراقب الناس ويرفع التقارير بمن يلزم منهم، وينفذ أوامر المختار. والمهرّبون يروّجون المخدّرات ويهرّبونها. والعسكر يرتكبون الجرائم باسم تطبيق النظام.
مُعلن ومُضمر
في الموقع الثاني المعارض، النجّار والعروس والغارب وجماعته بشكل معلن، والراوي والشيخ بشكل مضمر. فابن سلامة يتصدّى لجرائم السلطة، ويدافع عن أهل القرية، ويدفع الثمن اختفاء 15 عامًا، حتى إذا ما عاد إلى القرية، دفع حياته وبيته ثمنًا لموقفه المقاوم. وعروسه تتصدّى للجنود الذين جاؤوا يبحثون عنه، فيضربها أحدهم بأخمص بندقيته فتغيب عن الوعي وتهيم على وجهها. والغارب وجماعته يلقون القبض على المخبرين ويضرمون النار فيهم، ويقعون ضحية مكيدة يحيكها المختار وزوجته تأتي عليهم جميعًا. وهكذا، تكون للاعتراض أثمان باهظة غالبًا ما يدفعها المعترضون، على اختلاف درجاتهم. أمّا الراوي، حفيد الجدّة “أمّ البركة”، فيكتفي بالتعبير عن تعاطفه مع ابن سلامة، ويشعر بالذنب لإذاعة خبر عودته، ويحسّ بالتقصير لعدم تمكّنه من مساعدته. والشيخ يونس يعتكف في جامِعِه، ويرفض في قرارة نفسه ممارسات السلطة ومظالمها ويتعاطف مع ابن سلامة، لكنه لا يجرؤ على التعبير عن موقفه، خوفًا من العواقب. وهكذا، يتراوح الاعتراض بين السيف واليد والقلب. ويتبيّن، من خلال هذا التموضع، اختلال ميزان القوى لمصلحة السلطة الغاشمة. غير أنّ واقعة خروج الصبي الحليق، الحافي، من بين الجموع، وصراخه بأعلى الصوت بكلمة “حرّية”، يحدث كوّة في جدار الأحداث المسدود. وهو ما تتمّ ترجمته، خارج الرواية، بسقوط النظام السوري السابق، ودخول البلاد في مرحلة جديدة.
وبعد، عروة المقداد في “ليلة السكاكين” يؤرّخ روائيًّا لمرحلة حرجة في التاريخ السوري المعاصر، ويرصد مظالم السلطة وأثمان المعارضة، فيصل إلى نهاية قاتمة. لكنّه يترك كوّة صغيرة في جدار النهاية، تتسلّل منها رياح التغيير.
