لستُ متخصصة في الموسيقى، ولا أمتلك أدوات التحليل الأكاديمي التي قد يتسلح بها دارسو النوتة والبنية اللحنية، لكن ذلك لا يعني أنني أتعامل معها بوصفها تفصيلًا ثانويًا يمكن تجاوزه، على العكس، ثمة موسيقى تفرض نفسها على المتلقي مهما كانت خلفيته، تلتقطه من منطقة الحدس والشعور قبل أن يفكر في توصيفها، وموسيقى خالد الكمار في دراما رمضان 2026 واحدة من هذه الحالات المثيرة للانتباه، التي حجزت لنفسها موقعًا متقدمًا في الذاكرة السمعية والبصرية لهذا الموسم.


في “عين سحرية” مثلا لا يمكن التعامل مع ما قدمه الكمار بوصفه مجرد خلفية تملأ الفراغ بين الحوارات، بل هو نسيج موازٍ للصورة، يمدها بطاقة خفية ويعيد ترتيب إحساسنا بالمشهد، فمنذ اللحظات الأولى، تفتح الموسيقى نافذة على عالم ملتبس، غامض، كأنها تدعونا للدخول إلى منطقة لا نملك مفاتيحها كاملة.




ليست هناك استعجالات لحنية أو قفزات مفتعلة، بل بناء تدريجي للتوتر، يتكثف مع كل تصاعد صوتي محسوب، فيدفع المتلقي إلى حالة ترقّب مستمرة، إحساس بأن شيئًا ما يتكوّن في الظل، وأن مفاجأة تتهيأ للظهور، الموسيقى هنا لا تلاحق الحدث، بل تهّيئه وتيسر له، تزرع إشارات خفية قبل أن تتجسد دراميًا، فتجعل لحظة الانكشاف تبدو وكأنها نتيجة طبيعية لشيء ما سمعناه أو أحسسنا به من قبل ولم ننتبه لخطورته.




اللافت أن الكمار يدرك قيمة المساحات الصامتة بقدر إدراكه لقوة الذروة، فالحيرة أو القلق في “عين سحرية” لا يُصنع بالضجة أو اختلاط الأصوات، بل بالتركيز، بجمل قصيرة تتكرر مع تحوير طفيف، بطبقات صوتية منخفضة تتسلل تحت الجلد أكثر مما تعلن عن نفسها.




كل تصاعد موسيقي لا يعمل على تضخيم الانفعال فقط، بل يعمّق تورطنا في الحدث، كأن الإيقاع نفسه يسرّع نبض المشاهد، وهكذا تتحول الموسيقى إلى شريك فعلي في صياغة الغموض، عنصر أساسي يواكب الإخراج والأداء والتصوير، لا يقل عنها تأثيرًا.




أما في “كان يا ما كان” اختار الكمار مسارًا مغايرًا، هنا تميل الموسيقى إلى رحابة أكبر، إلى نبرة حنين تتسلل بهدوء، كأنها تستدعي ذاكرة جمعية أكثر دفئًا، الثيمة الرئيسية تبدو كخيط رفيع يربط الأزمنة ببعضها، تتغير سرعتها وتوزيعاتها تبعًا لتحولات الشخصيات، لكنها تحتفظ بجوهرها العاطفي، حين يحتدم الصراع، لا تنفجر الموسيقى بقدر ما تتسع، تضيف طبقات جديدة، وتمنح اللحظة بعدًا وجدانيًا يجعلها تتجاوز حدود المشهد الآني. وحين يحضر الفقد أو الانكسار، تنكمش الجملة اللحنية، تصبح أكثر هشاشة، فتضاعف أثر الصورة بدل أن تنافسها.




المفارقة أن العملين، رغم اختلاف مناخيهما، يكشفان عن وعي عميق لدى الكمار بوظيفة الموسيقى كأداة سرد، في “عين سحرية” هي ترافق الشخصيات وتكشف ما تخفيه، وفي “كان يا ما كان” هي ذاكرة حية تعيد تشكيل الحكاية من الداخل، وفي الحالتين، لا نشعر بأن الموسيقى أضيفت بعد اكتمال الصورة، بل كأنها وُلدت معها، تشاركها التكوين منذ اللحظة الأولى.




أعود وأؤكد أنني قد لا أمتلك لغة المتخصصين، ولا أستطيع أن أشرح تقنيًا لماذا أثرت فيّ هذه الجملة اللحنية أو تلك، لكنني أعرف جيدًا إحساسي وأنا أشاهد. أعرف متى شدّتني الموسيقى قبل أن أفهم المشهد، ومتى تركتني أتنفس بصعوبة لأن التوتر كان يتسلل بهدوء تحت جلدي، هذا النوع من التأثير لا يحتاج إلى مصطلحات كبيرة بقدر ما يحتاج إلى صدق في الاستقبال.




على هذا الأساس، فإن موسيقى خالد الكمار لا تكتفي بالتعبير عن اللحظة الدرامية فقط، بل تترك أثرًا شخصيًا، حميمًا، يصعب قياسه لكن سهل الإحساس به.