عبد الفتاح كيليطو في مكتبة بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، إبريل 2010 (ويكيبيديا)
هل يمكن التسليم بسهولة، بما تقوله الناقدة اللبنانية يمنى العيد، بأن النقد “يتراجع كثيراً”، وأنه “آراء مبعثرة لا تسعى إلى العمق”، وأن “ما يُكتب اليوم يميل إلى أن يكون مجرّد رأي”، كما صرحت في حوار أجرته معها العربي الجديد في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول الماضي. لا شك أن الناقد يتعامل مع النص بوصفه نزالاً لا تمكن مقاومته، كما يحرص على عدم وضع كاتبه في أي منطقة أمان، رغم أنه يصرخ في وجهه دائماً: “قف مكانك أيها المتحذلق. لا تتحرك”!
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن أي خصومة بين الناقد والكاتب؛ فهما معاً لا يحتاجان إلى أي فهم جديد للعلاقة بينهما. ذلك أنه بينما يسعى الكاتب إلى بناء نص بترتيبات غير مسبوقة، يعتقد الناقد بالضرورة أنه أكثر خبرة بهذه الترتيبات، وهو ما يفضي إلى العديد من المشاكل العملية. هناك شعور بالتفوق والقدرة على كشف الخدع والزلات والأخطاء والهنات، أو في أحسن الأحوال، يبرز إحساس كبير بأن “النص وأحواله” ما هو إلا جزء ضئيل من ذخيرة الناقد، وأن الكاتب ليس له أي مكان يقصده إذا لم يحصل على “الصك النقدي” الذي يتيح له عدم التبرؤ من مقتنياته.
هذا هو وهم الناقد الذي تغذيه مؤسسة القتل غير الرحيم. أما وهم الكاتب، فيجذب الانتباه بتناسيه الغريب لقضية الوظائف، والمهمة الموكولة للنقد بوصفه راصداً لمراكز التحول، وآلة ناشرة للضوء ومبددة للدخان.
لا يحتاج الكاتب والناقد إلى أي فهم جديد للعلاقة بينهما
هكذا يجبر الكاتب نفسه على الاعتقاد بأن الناقد “تابع أهبل” لا يليق به إلا الاستغفال أو “كاتب فاشل” يستحق الشفقة. مجرد زائدة دودية لا نفع منها، ولا تستحق سوى الاستئصال. يدعي أن الكاتب لا يحتاج إلى حَكَم أو وسيط بينه وبين القارئ، ولا يحتاج إلى من يدافع عن جدارته في القول الأدبي أو الفلسفي أو التاريخي أو العلمي. وهو، فضلاً عن ذلك، غير مستعد لخلق أي سلطة ثقافية على ما يكتبه، لأنه يظن أنه يشرب من نبع الآلهة، ولا يحتاج إلى “أولياء” يربطونه بتحليلاتهم ونظرياتهم. لا يحتاج الكاتب إلى مشرحة، ولا إلى أي ميزان لعقله وقلبه وروحه. النقد يبطئ العمل، ويعرضه لعوائق ميكانيكية تتصل باللغة والفكر والتركيب. ومن ثم، فضرورة الخضوع للمعيار هي التي تُشعر الكاتب، أي كاتب، بالضيق، بينما يفضل في قرارة نفسه الهيجان والتهكم ورمي الحجارة على هذا المعيار. يريد أن يصوب بنادقه على كل من يحاول حشره في دائرة فئران المختبرات أو أرانبها. ولهذا، فإن أغلب الكتّاب بارعون في وضع نصوصهم خارج النقد، بل إن “النقد الذاتي” و”كشف المرجعيات” بات صيغة مثالية في التجارب الجديدة لقتل النقاد. كما بات هذا النوع من النقد هو النصير المنقذ من القوة الوحشية التي ظل النقاد يتمسكون بحيازتها.
فمع أن الناقد مسلح بالمناهج والنظريات والمعارف الأدبية والفلسفية، فإن الكاتب أصبح يحاربه في ملعبه ويجاريه في لعبته، ليس بإظهار الاستحسان أو الامتعاض من هذا المُكَوِّن أو ذاك، أو بالكشف عن هذه الخصائص الفنية والجمالية أو تلك، بل بإجادة الاختباء، وزرع الفخاخ في طريق الناقد الذي تعود أن يجده في الجوار.
في الكتابة الجديدة، الكاتب نفسه هو الناقد. لكنه يدرك، مع ذلك، أنه ليس الناقد الوحيد. هناك دائماً نقاد يتطلعون إلى فضحه وإخراجه من ذلك العالم غير المرئي الذي يلوذ به، فيلجأ، تبعاً لذلك، إلى إحراق جميع الأدلة أو على الأقل تبديدها، معتبراً أن هذا الأمر له علاقة مباشرة بأمن غرفته السوداء. بل إنه يتعمّد الكذب، ليس لأن “أخلاقه الأدبية” ليست في مستوى التقيد بالمنطق أو “الأخلاق المرعية”، بل لأن للنقاد ميلاً كبيراً نحو التفوق، أو بالأحرى المبالغة في تعقيد “الحقائق النصية”. هذا هو الالتباس القاسي الذي يجعل الكاتب يضع الناقد في مكان آخر من النص، وهذا ما يدفعه إلى محاولة منازلته في عقر مناهجه وتحليلاته.
لا شك في أن النقاد يرغبون في الاستمرار وهم قادرون على التأقلم
هنا، لا بد من طرح السؤال التالي: هل فقد النقاد كيفية التصرف أمام هذا المُتَغَير؟ هل ما زالوا قادرين على التفكير النقدي في النصوص أمام الحوارية النقدية المكشوفة التي يقوم بها الكتاب؟ ألا يسعى الكاتب الجديد إلى تجريدهم على هذا النحو من سلاحهم وحجتهم ووظيفتهم؟ هل وجدوا نقطة ارتكاز جديدة تسمح لهم بالخوض في نشاطهم بالاشتراطات القديمة نفسها؟
لا شك في أن النقاد يرغبون في الاستمرار، وأنهم قادرون على التأقلم مع الوضع الجديد. غير أن إنجاز ذلك يستلزم التخلي عن التحديق الطويل في النص قياساً إلى “المعيار”، وقياساً إلى “العبوس النظري”. النقد الآن يحتاج إلى المرح وصرف الغيوم، وأن يكون أمام أي نص في أفضل حالاته، أي أن يدرك أنه ليس تمريناً تطبيقياً لمناهج ونظريات. باختصار يحتاج النقد إلى التواضع أمام النص وكاتبه، وأن ينظر إلى نفسه بوصفه “قراءة ممكنة” ليس إلا. ليست هناك إطلاقاً قراءة كاملة، أو “القراءة القاضي” التي تستند أحكامها إلى مرجع أعلى متفق عليه. كما أن القارئ يكتسب موقعاً فاعلاً داخل التجربة الأدبية، بوصفه شريكاً في إنتاج الدلالة، ومشاركاً في استكمال مسار المعنى. فالنصوص العميقة تدعوه إلى الإصغاء إليها والانخراط في حوار داخلي يختبر الكلمات والجمل والصور والإشارات، فتتحول تبعاً لذلك إلى فضاء مفتوح على احتمالات متعدّدة لا يمكن حصرها في تجربة قرائية واحدة.
إن تجربة الكتابة الجديدة، في نهاية المطاف، تعيد اكتشاف ممكناتها بالجمع بين الانفجار الإبداعي والحس النقدي؛ فإلى جانب كونها أثراً لغوياً نابضاً بالمعاني، فإنها نتاج وعي فكري حاد باللغة والمنظورات والإيقاعات والمتناصات والمعاني.
وتبعاً لذلك، علينا أن نستحضر أن الكاتب لم يكن إطلاقاً خاوي الوفاض أمام الناقد. ويكفي أن نذكر أبا العلاء المعري وخورخي لويس بورخيس وخوليو كورتاثار وإيتالو كالفينو وأمبرتو إيكو وميلان كونديرا وبول أوستر وريموند كارفر وعبد الفتاح كيليطو وجورج باتاي وأحمد بوزفور، وغيرهم. كل هؤلاء يُحكمون سيطرتهم على الموضوعات، ويخرجوننا من “المشقة” حين يمارسون النظر النقدي في النصوص، ويجعلوننا عن عمد ندرك ألا شيء أكثر ضرراً من الوقوف خارج النص، وإسناد مهمة “التفسير” و”التأويل” إلى نقاد ينظرون دائماً إلى موضوعهم بتجهم شديد.
