واحدة من أكبر مفاجآت موسم الدراما الرمضاني هذا العام هو الأداء العبقري للفنان القدير شريف منير في تجسيد دور الإرهابي محمود عزت، في مسلسل رأس الأفعى، الشكل أبعد ما يكون، ملامح الوجه، الروح، نظرة العيون، شريف منير فنان قدير خفيف الظل، يشع وجهه بريقًا وعيناه ضاحكتان، ونبرة صوته تحمل طاقة كبيرة، فكيف استطاع الفنان القدير أن يطفئ كل هذه الطاقة ويحولها إلى أداء باهت ونظرات عيون تحمل من الخبث والشر أطنانًا.
لا يقدّم شريف منير مجرد أداء تمثيلي لشخصية محمود عزت، بل يصنع حالة كاملة تمشي على قدمين. نحن لا نشاهد ممثلًا يؤدي دورًا، بل نرى عقلًا يعمل خلف عينين ثابتتين، وجسدًا يتحرك بحساب، وصوتًا يخرج كما لو كان جزءًا من خطة أكبر. تلك ليست مصادفة، بل نتيجة اجتهاد واضح وتحضير دقيق ومذاكرة عميقة للشخصية بكل أبعادها النفسية والسياسية والسلوكية.
من اللحظة الأولى، يختار منير الاقتصاد في الأداء. لا يرفع صوته، ولا يحرّك يده. هدوؤه ليس هدوءًا عابرًا، بل هدوء رجل يعرف أنه يدير خيوطًا لا يراها الآخرون. نظرة عينه ثابتة، لكنها غير بريئة؛ تحمل طبقات من الحذر والترقب والمكر. أحيانًا يبتسم نصف ابتسامة، فتشعر أنها ليست تعبيرًا عن رضا، بل رسالة مشفرة.
التحضير للشخصية يبدو جليًا في التفاصيل الصغيرة. طريقة الجلوس توحي بالسيطرة. المشية بطيئة محسوبة، كأن كل خطوة مدروسة سلفًا. حتى لحظات الصمت، وهي من أصعب ما يواجه أي ممثل، تحوّلت على يديه إلى مساحات توتر. الصمت عنده ليس فراغًا، بل امتلاءً داخليًا بالشر والمكر والخيانة والخطط.
أما نبرة الصوت، فهي أحد أهم مفاتيح عبقريته في هذا الدور. اختار طبقة منخفضة شبه هامسة في كثير من المشاهد، أداءً باردًا ومخيفًا ببرود مخيف، وهنا تكمن القوة. هذه المعادلة الدقيقة كان ناتجها التعبير عن شخصية محمود عزت الحقيقية، الأفعى التي تسير في سكون وحذر، ثم تلدغ وتنشر السم في الجسد.
ما يميز أداء شريف منير أيضًا أنه لم يحوّل الشخصية إلى صورة نمطية، ولم يعتمد على تعبيرات وجه مبالغ فيها أو حركات مصطنعة. بالعكس، بدا وكأنه تخلّى عن “نجوميته” تمامًا لصالح الشخصية. اختفى شريف منير، وظهر محمود عزت. وهذه أصعب معادلة في التمثيل: أن يذوب النجم داخل الدور.
النتيجة أن المشاهد لا يتابع شخصية مكتوبة على الورق، بل يعيش أمامه عقلًا استراتيجيًا يتحرك في الظل. أداء متماسك من البداية إلى النهاية، بلا ارتباك أو تفاوت. كل مشهد يبدو وكأنه قطعة في بناء واحد متكامل.
هكذا يُصنع الأداء العبقري: بالتحضير، بالمذاكرة، بالانضباط، وبالقدرة على السيطرة على أدق تفاصيل الجسد والأداء. في «رأس الأفعى» قدّم شريف منير درسًا حقيقيًا في كيف يمكن لممثل ناضج أن يحوّل شخصية معقدة إلى كيان نابض بالحياة، مرعب في هدوئه، ومقنع بشكل كبير يجعلك تشعر أن “رأس الأفعى” يقف أمامك.
