“منذ لا أعرف” عنوان مجموعة شعرية للشاعر اللبناني حمزة عبود (دار النهضة، بيروت، 2025) تستوقف بعنوانها غير السويّ لغوياً، إذ لا داعي لأن نبيّن كيف أن “منذ” لا تدخل على “لا أعرف”، وأن هناك صيغة أصحّ. لا داعي لأن عبود (1946) يُخطئ عن عمد، إنه يقصد ذلك بوعي تام ويريده على هذا الوجه، يريد أن يكون في العنوان عيّ صريح أو نشاز لغوي. يريد أن يعثر اللسان به، وأن يُسمع بهذه الصيغة المرتبكة، أن يُسمع لا أن يُقرأ، أن يردّه هكذا إلى نوع من المشافهة والحكي، أن يقدم بهذا العنوان مجموعة شعرية، قصائدها لا تشكو من لا استواء لغوي كما تعمّد العنوان، لكنها مع ذلك من وحيه.
إذ أرادت منه أن يكون حكياً فحسب، أو عثرة لسانية في سياق المشافهة، فإن القصائد تنسج على هذا الغرار، الحكي والمشافهة، إنها قصائد لحظة، قصائد تتعمّد أن تكون فقرات من حديث مرسل. إنها قِصار ترد في أثناء كلام يخاطب آخرين، أو يتوقف عند خبر، أو حادثة، أو حكاية، أو خاطرة، أو تعليق، أو استخلاص سريع، أو قفلة ختامية، أو عبرة. إذا شئنا أن نجد غراراً لهذه القصائد قلنا إنها محاولات لبناء موازيات المشافهة.
أقول موازيات لأننا في حضرة الشعر ولسنا أمام سرد بحت، لسنا حيال قصّ من أي نوع. ما يفعله حمزة هو إيجاد غناء يوازي هذه اللحظة من الحكي، هذا الحوار الجانبي. ما يفعله هنا هو إيجاد فنّ لهذه المكاشفات، لهذا الإفضاء والبث العارضين، فنّ لهذه الهامشية والحياة الجانبية، لما هو حياة كلّ يوم وتفاصيل كلّ ساعة، لكنه أيضاً جديد بحساب هذه اليومية، جديد في معانيها ونظامها والعبرة منها، في تتابعها واللمعات التي تبرق في روتينها. لنقُل إن هذه القصائد القصيرة والتي تبدو أقرب إلى ملاحظات وتعليقات، هي بالدرجة الأولى وحيُها أكثر ممّا هي سردها، إنها غناؤها، بناءٌ منها وفي موازاتها.
“أروي لكي يمر الوقت/ لكي لا يتصلّب أمامي كالإسمنت ولكي أُشتّت نشيدي اليومي/ وأروي لكي أفرق شمل الغرفة ولكي أُمسك بالضوء على النافذة/ أروي لكي أشهد وأزين عربة الوقت/ وأروي لكي أقرأ بين الكلمات ولكي لا أقف طويلاً على مفرق البيت وفي ساحة البلدة”.
ليست المرة الوحيدة التي نُصادف فيها الوقت في قصيدة من المجموعة، إنه مبثوث في مختلف القصائد، بحيث يصحّ أن نعتبره الموضوع المتواري لها كلّها، إنها جميعها تقريباً محاولة للإمساك به والدوران حوله، الشعر هكذا يداور لحظات عابرة ويحاول أن يبني منها وعليها. يُمكننا في قصائد أن نجد أن الهاجس اليومي قد يكون مدار القصيدة، إنها تبدأ منه ولا تلبث أن تستحضر ما يُشبه أن يكون يوميات، تسعى للإيحاء بذلك، للإشعار بأنها من مادة هذا اليوم، ومن الهجس به والطواف حوله.
يُمكننا، مع ذلك، القول إن هذا الهمّ الدائم باليومي، قد لا يقف عنده، إنه، في أحيان، بل وكثيراً، يتخطاه ويغدو فوقه، إنه مادته لكنه يسمو بها، يحوّلها أحياناً إلى لمعة أوسع منه، إلى فكرة من ضلعه، إلى غناء له، إلى خاطرة عنه. هكذا نتسلسل من اليومي، مما يكاد يكون مذكرات، مما هو تفصيل وقتي، مما هو مشهدي ولحظاتي، إلى لمعة، إلى شعر ينبثق من التعداد اليومي: “على طريق النهر الذي يشبه أُغنية”، “هنا خلف الحائط الذي أقمناه/ في رؤوسنا”، “أحلم بكرسي على الماء/ لا لأجيء بمعجزة ولا لأتأمل البحر/ ولا لأستريح من عناء يومي/ ولكن لأسقط”، “وحيد ولكني سيد/ كما كل واحد حين يكون وحيداً”.
يصحّ اعتبار الوقت موضوعاً للمجموعة وأنها محاولة للإمساك به
هكذا يُمكن القول إن للمجموعة مشروعاً طاغياً، إنها كُتبت جميعها في غمار هذا المشروع. المجموعة لذلك بكاملها متتابعة، وكأنها، قصيدة وراء قصيدة، تستكمله وتتوسع فيه. لا عجب إذا شعرنا أننا أمام كتاب مُحكم، وأن القصائد تكاد في تواليها أن تكون نصاً واحداً. أن بوسعنا أن نفهم أننا، بدءاً من العنوان، نتصفّح ما يكاد يكون سيرة. في وسعنا أن نقرأ الكتاب كلّه وكأنه مذكرات شعرية، أو بكلمة أدق يوميات شعرية. شعرية لأن ما يريده حمزة عبود وما يلحّ عليه، هو أن يستولد الشعر من هذه الدقائق، بل والتعداد حين يكون مقصوداً، إذ الشعر الذي ينبثق حاضر فيه ويُستولَد بطبيعية منه، كأن حمزة عبود بذلك يبحث عنه، وفنّه هو أن يجد لحظته وأن يطلقها.
* شاعر وروائي من لبنان
