تشهد الدراما السورية الرمضانية هذا العام حضورًا كبيرًا ولافتًا على الشاشات والمنصات، ومواقع التواصل الاجتماعي، بعد تراجع الرقابة السياسية الصارمة التي عانت منها لعقود طويلة. وقد تشكلت ملامحها فور سقوط النظام المخلوع، الذي استغل الثقافة والفنون جميعها لتثبيت سردياته الكاذبة، والدفاع عن جرائمه وقمعه اللامحدود للشعب السوري والمعارضين من التيارات والأيدولوجيات المختلفة. وركّزت على كل المحرمات السابقة، كقضايا المعتقلين والمغيبين قسريًا، وما تعرضوا له من انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، والفساد المستشري في بنية النظام، ونهبه لثروات سورية وأهلها، وإفقاره للسوريين، وزجهّم في السجون، وأتون الحرب والمعارك مع الأخوة والأهل والجيران، للدفاع عن كرسي الحكم ولو أدى ذلك إلى تدمير البلاد كلها.
وقد أثارت الحلقات التي عُرضت حتى اليوم من بعض هذه المسلسلات غضب أصحاب حكاياتها، ورفضهم الشديد لها، لأن كثيرًا من صنّاعها، كتابًا ومخرجين وممثلين وشركات إنتاج، كانوا يناصرون الجلاد والقتلة على مدى 14 عامًا من عمر الثورة السورية، ويصفون الثوار والمعتقلين والشهداء بالإرهابيين والخونة المرتبطين بجهات خارجية معادية هدفها تركيع النظام “العلماني الممانع”، على حد قولهم، والقضاء على جيشه “العقائدي” الذي استباح المدن والبلدات السورية الثائرة، واستخدم أعتى الأسلحة وأشدها فتكًا وتدميرًا ضد أهلها وسكانها، وبنيتها التحتية، والحضارات التي مرت عليها، ومدارسها ومساجدها وكنائسها، وكل ركن فيها. وقد جاؤوا اليوم ليجسدوا شخصيات من قاموا بالثورة وآمنوا بعدالتها وشرعيتها، ودفعوا أثمانًا باهظة من أجل التغيير السياسي وبناء دولة العدالة والمواطنة والقانون، في الوقت الذي ما تزال فيه الذاكرة السورية يقظة وحيّة وحاضرة بكل التفاصيل والأوجاع التي عاشها الناس، وما يزال أهالي الشهداء والمختفين يبحثون عن الحقيقة ومصير أبنائهم، وعن عظامهم ورفاتهم ليُدفنوا بكرامة يستحقونها من دون جدوى، ومن دون الوصول إلى العدالة ومحاسبة المجرمين.
يأتي مسلسل “قيصر ــ لا زمان ولا مكان” على رأس هذه الأعمال التي أثارت جدلًا كبيرًا، لخصوصيته وارتباطه بصور “قيصر” التي سربها الضابط السوري فريد المذهان، ووثق فيها استشهاد عشرات الآلاف من السجناء والسجينات تحت التعذيب مصابين بجروح عميقة وكسور وحروق ونحول شديد، في أهم كشف وتوثيق لفظائع الأسد وانتهاكات أجهزته الأمنية والعسكرية الممنهجة.
يجسد المسلسل عبر عشر ثلاثيات منفصلة متصلة، قصصًا واقعية من المعتقلات والمسالخ البشرية للنظام، ويرصد الحياة اليومية للسوريين في ظل منظومة حكم سيطر عليها الفساد المالي والإداري، وارتكاب الجرائم بلا حدود. ويتناول الأحداث السياسية الكبرى والأبعاد الاجتماعية لحكايا المعتقلين وعائلاتهم، وما عاشوه من تجويع وإذلال وقتل ممنهج، ويفيد من الصور والوثائق عن ضحايا التعذيب. المسلسل من تأليف نجيب نصير، ومؤيد النابلسي، وإخراج صفوان نعمو، وبطولة غسان مسعود، وسلوم حداد، وفايز قزق، وصباح الجزائري، وغيرهم.
أثار هذا العمل تحديدًا انتقادات واسعة، ورفضًا كبيرًا لتحويل المأساة إلى عمل درامي قبل تحقيق العدالة، مما يطرح إشكالية أخلاقية عميقة. ولاختزال هذه التجربة المريرة في مشاهد تعذيب لا تعبر أبدًا عن الحقيقة، رغم قساوتها ودمويتها، ولتحويلها إلى مادة تجارية للعرض التلفزيوني، والجراح لم تزل نازفة ومفتوحة. وأصدرت “رابطة عائلات قيصر” بيانًا شديد اللهجة حول هذا الموضوع، أكدت فيه أن آلام الضحايا ليست للمعالجة الفنية، أو الاستثمار الإعلامي، بل قضية إنسانية وحقوقية بامتياز، تتطلب تحديد مصير المفقودين، وتسليم رفاتهم لذويهم، بينما طالبت نقابة المحامين في مدينة حمص بفتح تحقيق مستقل حول المسلسل، مؤكدة أن معالجة الوقائع المتعلقة بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري في سورية، يجب ألا تنطوي على تحريف جوهري للأحداث الثابتة بما يشّوه طبيعتها القانونية، وتمييع الحقيقة الإجرامية. وقالت في بيان لها إن سيناريو العمل لم يراعِ حفظ كرامة شهيد الثورة السورية عبد الباسط الساروت، وتاجر فنيًا باسمه من دون الحصول على موافقة خطية من ذويه، وذلك في مشاهد قام ضابط الأمن فيها بتوجيه مسبات وشتائم قاسية لرمز من رموزها، مما أثار سخطًا شعبيًا كبيرًا. ومنذ الحلقة الأولى، أشعل العمل مواجهات حقوقية وأخلاقية تتعلق بحقوق الضحايا وعائلاتهم، ورفضًا لوجود ممثلين فيه كانوا مؤيدين للنظام، واليوم يجسدون دور الثوار، وهذا شرف لا يستحقون أن ينالوه كما قال بعضهم.
“هنالك فنانون كانوا موالين للنظام المخلوع جاؤوا اليوم ليجسدوا شخصيات من قاموا بالثورة وآمنوا بعدالتها وشرعيتها، ودفعوا أثمانًا باهظة من أجل التغيير السياسي وبناء دولة العدالة والمواطنة والقانون”
مخرج العمل صرّح بأنه تواصل مع عدد من الممثلين المعارضين للنظام المخلوع، إلا أن ارتباطاتهم حالت دون مشاركتهم، وأنه استند في عمله إلى شهادات معتقلين التقاهم شخصيًا. أما الممثل سامر كحلاوي، الذي يجسد دور ضابط الأمن، فقد قدم اعتذارًا عن العبارات المسيئة التي تلفظ بها بحق الساروت، مشيرًا إلى أن الرقابة على الدراما رفضت استخدام لهجة الساحل السوري لشخصيات الضباط “بحجة السلم الأهلي”، وأن شتائم ضد الأسد حُذفت من العمل أثناء المونتاج. أما فريد المذهان، الذي كشف الحقيقة عبر الصور المسربة، فقد أكدّ أن المآسي ليست طريقًا للشهرة، بل مسؤولية أخلاقية يحملها من صمدوا في أصعب الظروف، وأن التاريخ لا يكتبه من حضر بعد أن هدأ الغبار، بل من ثبتوا ونطقوا بالحقيقة في أحلك اللحظات.
الخروج إلى البئر
ويسجل مسلسل “الخروج إلى البئر” حضورًا لافتًا، ومتابعة واسعة من المشاهدين والنقاد كما يبدو من خلال الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي في هذا الموسم الرمضاني، وهو يتحدث عن سجن صيدنايا سيء الصيت، والذي كان معسكرًا للإبادة والتعذيب الوحشي والإعدامات، وعن العصيان الذي قام به معتقلون إسلاميون في تموز/ يوليو 2008 ، وسمي “استعصاء صيدنايا” احتجزوا خلاله عدة رهائن من الأمن والشرطة العسكرية، واندلعت خلاله مواجهات عنيفة بين الطرفين، تمكن السجناء بعدها من السيطرة على السجن، وانتهى بمجزرة دموية راح ضحيتها العشرات من الطرفين.
تحدث العمل في حلقاته الأولى عن شخصية سلطان الغالب المركبة الذي يعاني من ألم الاعتقال، بعد سنوات من خروجه للقتال ضد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، والذي يجد نفسه وهو صاحب الفكر العروبي القومي داخل هذا المعتقل خلال مرحلة صعبة وعاصفة، على رأس مفاوضات مع النظام باسم السجناء المطالبين بحقوقهم. يروي العمل أيضًا مجموعة من القصص المتشابكة عن معتقلين عايشوا أساليب تعذيب لم يعرف العصر الحديث لها مثيلًا، وهي تستند إلى وثائق حيّة جمعها الكاتب سامر رضوان عن خفايا أشهر سجون الطغاة وحشية. أنجز رضوان العمل قبل سقوط الأسد بأربعة أشهر، وكتب عنه يقول: “ناقشت بهذه الرواية التلفزيونية مرحلة دقيقة مرّت فيها سورية. في مقاربة لواقع التيارات الإسلامية مع النظام الأمني البائد. ومنعكساتها الاجتماعية الخطرة. صحيح أن مرحلة الأب والابن تحتاج إلى مئات الأعمال لشرح المآسي التي خلّفها النظام المستمر بتدمير سورية منذ عقود. إلا أنه العمل الأخير الذي أتعرض فيه لتلك الحقبة السوداء. وأترك الباقي للكتاب السوريين عساهم يسدّون العجز فيما قلته عن هذه المرحلة”.
جرى تصوير العمل في لبنان، وأربيل شمال العراق. وهو من إخراج محمد لطفي، وبطولة جمال سليمان، وعبد الحكيم قطيفان، وواحة الراهب، ومازن الناطور، وباسم قهار، وغيرهم. ومن إنتاج شركة ميتافورا للإنتاج الفني.
في الموسم الرمضاني، أيضًا، هنالك عدد من الأعمال الدرامية المتنوعة، منها:
ــ مسلسل “عيلة الملك”: يوثق اللحظات الأولى لسقوط النظام، ويحاول الإطلالة على الساحات الخلفية لرجاله وتحالفاتهم مع طبقة الأثرياء، ونهبهم للمال العام، وتغلغلهم في مفاصل القرار رغم فسادهم المكشوف. المسلسل من تأليف شادي كيوان، ومعن سقباني، وميادة إبراهيم، وبطولة سلوم حداد، وديما بياعة، ونادين خوري.
ــ مسلسل “مطبخ المدينة”: تدور أحداثه حول طاهٍ يدير مطعمًا في قلب العاصمة السورية، ويحاول الحفاظ على توازن حياته مع انكشاف ملفات شائكة وحدوث صدامات عائلية، وتفكك في الأسرة. ويتناول عمومًا حقبة نظام الأسد من دون اللجوء للمباشرة والشعارات. وهو من تأليف علي وجيه، وسيف رضا حامد، وإخراج رشا شربتجي، وبطولة عباس النوري، ومكسيم خليل، وأمل عرفة، وعبد المنعم عمايري.
“من الأعمال التي كان المشاهد يعوّل عليها، وخرجت من السباق الرمضاني الحالي، مسلسل “السوريون الأعداء” للكاتب والروائي فواز حداد، والمخرج الليث حجو، عن سيناريو وحوار رافي وهبة، ونجيب نصير، وبطولة بسام كوسا، وسلوم حداد، وفايز قزق، ويارا صبري”
وبعيدًا عن الأعمال السياسية المباشرة، يتصدر مسلسل “مولانا” قائمة المسلسلات المتنافسة في هذا الموسم، ويتحدث عن جابر العبد الله، الذي يتخفى خلف ستار نسب مقدس في قرية منسيّة يقتات الناس فيها على انتظار “المولى” منذ عقود، ويجد نفسه فجأة منقذًا لقرية ترفض الموت، ويسعى أهلها للخلاص من ظلم وقمع واستباحة السلطة لهم ولأراضيهم. حكاية تطغى الرمزية على مفرداتها وشخوصها وأحداثها، وتتقاطع مع سورية التي كانت تنشد الخلاص من نظام تغوّل جيشه وأمنه على كل مفاصل البلاد ومقدراتها. قصة المسلسل كتبتها لبنى حداد، والسيناريو لكفاح زيني، وسامر برقاوي، الذي أخرج العمل. وهو من نبطولة تيم حسن، ومنى واصف، وفارس الحلو، وهو عمل لبناني سوري.
من مسلسل “النويلاتي”
هنالك أعمال درامية أخرى اختارت سياقًا مختلفًا، وقدمت وجبة من السخرية اللاذعة لآليات الفساد والخوف والفقر والبطالة أيام البعث، وانتقادات لاذعة للواقع السوري اليوم، مثل “ما اختلفنا”. وأعمال البيئة الشامية، مثل “النويلاتي”. ولا يمكننا إلا أن نذكر أحد الأعمال التي كان المشاهد يعوّل عليها، والتي خرجت من السباق الرمضاني الحالي، وهو مسلسل “السوريون الأعداء” للكاتب والروائي فواز حداد، للمخرج الليث حجو، عن سيناريو وحوار رافي وهبة، ونجيب نصير، وبطولة بسام كوسا، وسلوم حداد، وفايز قزق، ويارا صبري. ومن إنتاج شركة ميتافورا. وهو عمل درامي سياسي ــ اجتماعي ضخم، تدور أحداثه في حقبات زمنية ثلاث من سبعينيات القرن الماضي حتى انطلاق الثورة السورية. يركز على حقبة الأسد الأب، ومجازر حماة المروعة عام 1982، ويرصد التحولات الأمنية والسياسية والمصيرية التي عاشها السوريون خلال عقود.
تطرح أعمال هذا الموسم أسئلة يتم تداولها بين المشاهدين والنقاد: هل تستطيع الدراما أن تنقل الرواية الحقيقية لعذابات الشعب السوري وطغيان وإجرام النظام البائد؟ وهل يحق لصناعها أن يفتحوا جراح السوريين على مصراعيها، قبل الوصول للعدالة ومحاكمة السفاحين؟ وهل يحق للممثلين الذين صمتوا ودافعوا عن النظام الذي دمر سورية واستباحها، أن يجسدوا دور الثائر، أو المعتقل، هل سيكونون مقنعين للمشاهد؟ أليسوا عبئًا ثقيلًا على العمل برمته، وعلى الضمير الإنساني؟ ولكن، وفي الوقت نفسه، لا بد، بحسب رأيي، أن تُروى المأساة بصدق، لكي تظلَ شهادة للتاريخ، ولتعرفها الأجيال المقبلة، وتعرف كيف تحولت سورية إلى سجن كبير يضجّ برائحة الدماء وصرخات المعذبين.
