من بين مسلسلات الحارة الشعبية التي باتت عنصرا ثابتا في دراما رمضان في السنوات الماضية، يأتي هذا العام مسلسل “سوا سوا” الذي تدور أحداثه في بيئة شعبية تقليدية، لكن بعيدة عن الفانتازيا الشعبية السائدة، وعلى الرغم من انطلاقه من القالب المألوف، يحاول المسلسل أن يغير كثيرا في صيغته المعتادة.
“سوا سوا” من تأليف المؤلف مهاب طارق وإخراج المخرج عصام عبد الحميد، ويجمع في بطولته بين الفنان أحمد مالك والفنانة هدى المفتي في تعاون جديد بينهما.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of listالبداية من قلب الحدث
تختار حبكة “سوا سوا” أن تبدأ من قلب الحدث لا عبر المقدمات التقليدية، فلا يقدم المسلسل شخصياته عبر تمهيد متوقع، أو مشاهد تعريفية عادية، بل يدفع المتفرج مباشرة إلى لحظة توتر، تفتتح الحلقة الأولى على هيما (الفنان أحمد مالك) وهو يتسلل إلى أحد المستشفيات الخاصة، من دون أن نعرف دوافعه أو خلفيته.
ومع توالي المشاهد تنكشف التفاصيل تدريجيا؛ هيما لا يقوم بفعل إجرامي، بل بمحاولة يائسة لإدراج ملف حبيبته أحلام (الفنانة هدى المفتي) ضمن ملفات الحالات الخيرية التي تتكفل المستشفى بعلاجها.
بهذا الاختيار السردي تتشكل الشخصيات أمامنا من خلال أفعالها، ونعرف أن أحلام مريضة، وأن عقد قرانهما مقرر في اليوم التالي، وأن الواقع يضغط عليهما بقسوة، كما يتضح أن ما يبدو خطة مدروسة من هيما ليس سوى رهان عاطفي قائم على توقعاته الشخصية وأحلامه بمستقبل أفضل، خطة شديدة الهشاشة أكثر من كونها ترتيبا واقعيا محكما.
مع الساعات التالية تبدأ هذه الخطة في الانهيار، لتتحول القصة إلى مسار متصاعد من المحاولات والخيبات، حيث يجد الثنائي نفسيهما في مواجهة شبكة معقدة من العوائق -اعتراضات عائلية وضيق مادي خانق وتهديد المرض- الذي يفرض حضوره على كل قرار. هكذا لا تبنى الحبكة على حدث واحد، بل على سلسلة اختبارات متتالية تكشف هشاشة الأحلام حين تصطدم بصلابة الواقع.
ما سبق أساس جيد لمسلسل تلفزيوني يميل إلى الواقعية، غير أن المؤلف مهاب طارق لم يقف عند هذا الحد، بل أضاف تعقيدا فوق تعقيدات الحياة العادية، وذلك بدخول شخصية الطبيب فوزي (الفنان خالد كمال) الذي يرى أحلام خارج المستشفى صدفة ويقع في حبها فورا.
ويبدأ الطبيب في رحلة محمومة للبحث عنها وعلاجها حتى لو رغما عن إرادتها، مع خطة خيالية تجبرها على الوقوع هي كذلك في حبه، لتصبح هذه الشخصية المسمار الأول في نعش الواقعية التي تموت كل دقيقة تظهر فيها هذه الشخصية؛ إذ حولت المسلسل إلى عمل ميلودرامي يعتمد أساسا على الصدف والمبالغات العاطفية التي تصل أحيانا إلى حد الابتذال.
لا يقف المسلسل عند حدود أزمة البطلين المتشعبة بما فيه الكفاية، إنما يضيف إليها تفاصيل مثل تجارة الأعضاء التي تعمل رباب (الفنانة فاطمة عادل) وزوجها سمسارين لها، وتشاء الصدف الدرامية أن تجعلهما يعملان مع الطبيب فوزي نفسه، الطبيب الذي يعيش فيما يبدو كإقطاعية خيالية من حيث المساحة والفخامة، وله معاون يشبه شخصيات قصص ألف ليلة وليلة.
إعادة تدوير المأساة بكل الزوايا الممكنة
حتى منتصف حلقات المسلسل، تبدو المحصلة الفعلية للأحداث محدودة بوضوح، فباستثناء الوقائع الأساسية التي انطلقت منها القصة لا يطرأ أي تطور يوازي عدد الحلقات أو زمنها الذي يقارب الساعة أحيانا، وبدلا من الدفع بالحبكة إلى الأمام يميل السرد إلى إعادة تدوير اللحظات ذاتها عبر مشاهد مطولة وانفعالات مكررة، مع تضخيم كل حدث صغير وإحاطته بهالة موسيقية وبصرية توحي بأهمية كبرى لا يوازيها تأثير درامي حقيقي.
هذا الإلحاح الميلودرامي يحول التفاصيل اليومية إلى أزمات كونية، ويجعل التوتر مفتعلا أكثر منه نابعا من تعقيد حقيقي في بناء المسلسل، والنتيجة أن الإيقاع يفقد حيويته، وتدخل القصة في دائرة فارغة من الأحداث.
يمضي “سوا سوا” كذلك في توظيف لحظات يفترض أنها مأساوية بوصفها أدوات مباشرة لاستنزاف تعاطف المتفرج، أكثر من كونها نتائج طبيعية لمسار درامي منطقي، ويتجلى ذلك بوضوح في خط وفاة الجد، شخصية لم تُمنح حضورا فاعلا أو تأثيرا حقيقيا في تطور الأحداث، ومع ذلك يفرد العمل مساحة واسعة لمشاهد الدفن وغيرها، محملة بموسيقى حزينة ولقطات مطولة، بما يضاعف الجرعة العاطفية من دون أن يتصل ذلك بالصراع الأساسي.
ولا يقتصر الإبطاء على بنية الأحداث وحدها، بل يمتد إلى اللغة الدرامية نفسها، عبر استخدام مونولوغات طويلة ومتكررة؛ تتكرر خطابات الشهامة المرتبطة بهيما بوصفه الشاب الذي يحمل عبء الجميع على كتفه، وتحمله لخساراته الشخصية وموهبته الكروية الضائعة، الأمر الذي ينطبق على مونولوغات الجد عن بطولاته وإسهاماته في الحرب، وكذلك اعترافات أحلام المطولة بحبها لهيما وتمسكها به، أو أحاديثها المطولة مع والدها الذي يتهمها بأنها السبب في ضياع أخيها الصغير، وهو ما لا يسامحها عليه.
ويمتد هذا النهج الخطابي إلى شخصية الطبيب فوزي، التي تقدم علاقته بأمه عبر سلسلة من المونولوغات الحزينة والمشاهد الاعترافية المطولة، تكشف عن ماض مثقل وعقد نفسية يفترض أنها تفسر سلوكه اللاحق.
غير أن هذه المساحات لا تتقاطع فعليا مع الصراع المركزي بين هيما وأحلام، ولا تضيف تعقيدا حقيقيا للعلاقة الأساسية التي يفترض أن تكون محور العمل.
هذا الإفراط في الشرح اللفظي يجعل الشخصيات تعلن دواخلها مباشرة بدلا من أن تتكشف عبر الفعل والصراع، ومع تراكم هذه المونولوغات يتباطأ الإيقاع أكثر، بما يعمق الطابع الميلودرامي.
وفي ظل كل ذلك لا يستثمر “سوا سوا” بالكامل طاقة ممثليه الموهوبين، بل يقيد حضورهم داخل مساحة ضيقة، فالأداء الذي من الممكن أن يكتسب عمقا في سياق درامي أكثر إحكاما يدفع كثيرا إلى دائرة الإعادات والتأكيدات اللفظية، ويظهر ذلك خاصة في أداء الفنان أحمد مالك والفنان خالد كمال والفنان عبد العزيز مخيون والفنانة سوسن بدر.
في المحصلة، يطرح “سوا سوا” نفسه مشروعا طموحا يسعى إلى إعادة تقديم الدراما الشعبية عبر صورة أكثر واقعية، ولكنه يتعثر في تحقيق التوازن بين الواقعية والرغبة في حشد التفاصيل المؤثرة، فتحول إلى ميلودراما حزينة تهدر قدرات ممثليه.
