استعادة إيرانية لأسطورة فاوست (الموقع الإلكتروني لدار النشر)
بأسلوبه التجريبي ورؤيته العبثية، جسّد الكاتب الإيراني عباس نعلبنديان حالة التشظي والاغتراب التي يعيشها الإنسان المعاصر بين القيم المُعلّبة والممارسات البيروقراطية. في مسرحيته “ماذا لو ظفر فاوست بقدر من الولاء!” (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، ترجمة شيرين خيري، 2025)، يقدّم معالجة مغايرة لأسطورة فاوست، مسقطاً صفقة الإنسان مع الشيطان على الواقع الاجتماعي والسياسي، وموجّهاً الصراع بين الخير والشرّ إلى نقد للسلطة والمؤسسات، إذ يستحيل الشرّ إلى إجراءات بيروقراطية تافهة، كما تتحول شخصية مفيستوفيليس من شيطان أسطوري إلى “مدير” لبق في مكتب فخم مزدان بصور القادة والملوك.
يفتتح نعلبنديان نصّه المكتوب عام 1969، بلوحة سينوغرافية مثقلة بالرموز الوجودية؛ “السيد ص. ص. م” غارقاً في غرفة تفيض بالجمود والوحشة، محاصراً بأثاث رثّ وأشياء مبعثرة، فيما تكشف المناجاة التي يمارسها عن وعيه الشقي، واصفاً الحياة بأنها “معاناة مستمرة واضطراب لا نهاية له”. أمام هذا المشهد، تصبح الغرفة الكابوسية فضاءً مجسِّداً لفراغ الإنسان المعاصر وقلقه، ليأخذ القارئ بعد ذلك إلى “جنّة” زائفة يعيش فيها فاوست ومارغريت، حيث النعيم رتابة قاتلة، والملل يعمّ المكان، في إشارة إلى زيف الوعود الكبرى سواء في الحب أو الدولة المطمئنّة أو حتى السلام، التي سرعان ما تغدو مآزق وأعباء وجودية، تصبح معها المأساة نُكتة على خشبة مسرح.
مأدبة سريالية يتبادل فيها فاوست ودون كيشوت ويهوذا الأقنعة
في هذا المشهد بالذات، يتجلّى الصراع بين فاوست ودون كيشوت بطريقة يسخر فيها نعلبنديان (1947-1989) من الحرب، كلّ حرب، مناوراتٌ عسكرية وسياسية مؤطَّرة بطقوس مسرحية عبثية، وشعاراتٌ كُبرى مجرد أقنعة متبادلة بين الخصوم، بينما الإنسان العادي يقف عاجزاً عن التدخل أو الفهم، محاطاً بدائرة لا تنتهي من التهديد والخداع، أمّا البطولة فمهرب هزلي لا ينتهي، ما يجعل المسرحية تمثيلاً أصلياً عن مسرح العبث واللامعقول.
كذلك تتجلى تفاهة “الشرّ المؤسساتي” بوضوح في الفصل الثاني من العمل؛ فالصراع الوجودي يغدو إجراء إدارياً كافكاوياً (نسبة لفرانز كافكا)، إن صحّ الوصف، داخل مكتب مجهَّز بالملفّات والصور، حيث يُحاول “المساعد” أن يجعل الألم مقبولاً عبر طقوس القهوة والسجائر، مجسداً قدرة السلطة على تغطية الفراغ والعار بكذبة السعادة والرفاهية المادية، بينما يبقى الإنسان العادي عاجزاً عن مواجهة هذا النظام الحديث. السيد ص.ص.م، الذي يرفض المشاركة في البطولة التراجيدية، يمثل الفرد المحاصر بين القوى الكبرى، ويصبح ملفه الإداري شاهداً على تحويل معاناته الشخصية والتاريخية إلى بيانات رسمية. وينتهي المشهد بتكريس فكرة “مؤسسة العدم”، إذ يجد الإنسان نفسه مضطراً للتكيُّف مع الاحتراق اليومي بدلاً من الانتحار، منتظراً موعداً لن يأتي في ظلّ نظام يمتصّ التمرّد ويروّضه.
عباس نعلبنديان في رسم لـ العربي الجديد
تصل المسرحية إلى ذروتها في المشهد الثالث والأخير، من الفصل الثاني، يُحكِم عباس نعلبنديان طَوق العبث الوجودي على شخصياته، إذ يصير المسرح مأدبة سريالية تجمع بين فاوست ومارغريت ودون كيشوت ومفيستوفيليس، وينضم إليهم يهوذا الإسخريوطي رمزاً تاريخياً للخيانة الكبرى، فالشخصيات التي كانت تتصارع بالأمس تجلس الآن لتشرب “نخب السعادة الأبدية” في طقس احتفالي زائف، بينما يُقدّم يهوذا اعترافاً صادماً بأنّ قصة خيانته لم تكن سوى مسرحية رتيبة أداها الممثلون بحبال حول أعناقهم.
ينتهي العمل مع عاصفة خارجية تحني الأشجار والجميع يرقص في دائرة مفرغة، مشهدٌ يرمز إلى حقيقة قاسية، مفادُها أن الوجود كلّه حفلة تنكّرية صاخبة تُخفي فراغاً موحشاً وإظلاماً تامّاً، إذ لا إجابات على أسئلة الموت والمعنى. يقدّم نعلبنديان، الذي عاش محاصراً وأنهى حياته منتحراً، رؤية تتيح للقارئ أن يسخر من تفاهة الشرّ وطبائع الحروب بوصفها نصوصاً متداخلة، وأن يُدرك، إلى حدٍّ ما، كيف أن الحياة والموت مسرحية كونية مستمرة، يظلّ فيها الفرد رهينة عاجزة عن تحرير نفسها، أو إيجاد معنىً لها في قلب الفوضى.
