يلوذ الإنسان بالوهم كي يجعل وجوده محتملاً، يغرس أول بذور الخديعة في أرضه، فتنمو وتضرب بجذورها في كل زاوية من حياته، يصدق وهم الحب فتمتد سيرة الألم، يسلم روحه للحلم فتسحقها تروس الواقع، تنكشف الخديعة مع كل خسارة يجنيها وكل هزيمة يدرك حتميتها. وفي روايتها “انخدعنا” (دار الشروق – القاهرة) تحاول الكاتبة دينا شحاتة تفكيك الخديعة، لا بوصفها حدثاً فردياً وإنما كإرث جمعي، وحال تستمد صيرورتها من صيرورة الوجود.
يتجلى عبر عتبة النص الأولى وعنوانه، الذي جاء من منطقة وسطى تقع بين الفصحى البسيطة والعامية الدارجة، ما أقدمت عليه الكاتبة من مخاطرة فنية، وقرارها التغريد خارج السرب، مغامرة بفقد النخبوية عبر هذا العنوان الذي يتسم ببساطة قد لا تتسق مع العمق الفلسفي للنص، وما يثيره من قضايا تتصل بعبثية الوجود، حتمية الخسارة، وسيكولوجية الهزيمة، غير أنها أرادت، مستفيدة من مطابقته لواحدة من الأغاني الشعبية المصرية، التعبير عن انحيازها للهامش، ولا سيما أنها أقرنت الخديعة بالمجموع، لنقلها من المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي، كحال يعيشها جيل، غرته أحلام الحب والشهرة والثراء.
الدومينو والخديعة
تتجاوز الكاتبة البنية التقليدية للسرد، وتجعل من لعبة “الدومينو” إطاراً حكائياً له، تتحرك عبر جولاتها، فتعيد تفكيك الخديعة، وتجعل من حركات أحجارها معادلاً موضوعياً لمشاعر مجردة مثل الهزيمة، والبؤس وانسداد الأفق، فتتحول اللعبة إلى مرآة تعكس الفخ الذي سقط فيه الجميع، حين ظنوا أنهم يختارون نقلاتهم بحرية، في حين كان المسار مغلقاً منذ البداية، والخسارة محتومة وإن كانت مؤجلة. وعبر هذه البنية يتشارك صوت السرد كل من البطل “طارق العايق”، والراوي العليم، وكذلك المدينة التي تدور في فضاءاتها الأحداث (بورسعيد). ويمثل هذا التنوع الصوتي تجسيداً تقنياً لتيمة الخديعة، فالراوي يعبر عن خديعة الحياد، والبطل يجسد حالاً من خداع النفس، بينما تحيل المدينة إلى الخديعة الكبرى حين توهم أبناءها، عبر خصوصية تاريخها وجغرافيتها، بما يستحقونه من مكانة مميزة، ثم تتركهم لقمة سائغة للبؤس والتشظي والاغتراب.

رواية الخديعة (دار الشروق)
ويتيح تبادل مقعد السارد بين الأصوات الثلاثة تفكيك الخديعة وجمع شتات الحقيقة الغائبة، “خطأ كبير في الرؤية، وقع فيه طارق العايق في رواية قصته. لا داعي للدهشة، لا ترفع حاجبك أيها الراوي ناقص المعرفة، دعني أقص عليكما الصورة الكاملة التي تخفي عنكما”، (ص 41). غير أن صوت البطل جاء مرتبكاً بين العامية والفصحى، وكان من الأدعى تجنب اللهجة المحلية في غير مواضع الحوار.
وعبر هذه الرحلة الساعية إلى مساءلة الوهم تشتبك الكاتبة مع الهامش المنسي، وترصد تناقضات واقع يحوي الموت والميلاد، الألم والأمل، العشش العشوائية والفنادق الفاخرة. وتطرق قضايا الفقر، والتفاوت الطبقي، والفساد، والتضليل الإعلامي، وتوظيف الدين في تخدير الوعي، وكذلك الاغتراب الاجتماعي. وتوثق تحولات الواقع من السعة إلى الضيق ومن البهجة إلى الكدر ومن البساطة إلى التعقيد، “في المدينة لم يعد البحر مكاناً للغنيمة، ولم تعد القعدة جوار مرسى المعدية طقساً للحنين، بل استذكار للعجز. وكل ما حسبته مؤجلاً أو مستعاداً، انزلق، مثل بلاطة قديمة، من لعبة لم تعد لك فيها يد، ولا حتى عزاء”، (ص 101).
الغناء الشعبي
مع تدفق السرد يبرز الحضور الكثيف لأغاني المطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر. يبدأ هذا الحضور من العنوان المستلهم من إحدى أغنياته “اتخدعنا”، وتواصل الكاتبة استدعاء مقاطع من أغنيات متنوعة لأيقونة الشجن الشعبي، وتجعل منها أنيساً لخيبات البطل وصوتاً لانكساراته. وبينما يؤسس حضور هذا النوع من الغناء خلفية موسيقية تعزز من حال الشجن التي تهيمن على السرد، وتتسق مع تيمة الخديعة، فإنه يؤكد أيضاً انحياز النص لطبقة المهمشين والمهزومين، الموتى على قيد الحياة.
ويحقق الحضور الكثيف لأغاني السمسمية الأثر ذاته، إضافة إلى دورها كرافد فلكلوري يعزز جمالية النص، ويعبر عن الهوية الثقافية للمكان، وكذلك عن طبيعة أبناء مدينة بورسعيد، وارتباطهم بها، إذ وجدوا فيها مساحات البهجة والفرح، ولاذوا بها في لحظات الحزن والانكسار، وعدوها وسيلة للتسرية والمواساة، وحيلة آمنة للبوح، وأداة سحرية لترويض الوجع.
كذلك برزت السمسمية (آلة موسيقية شعبية) في مواضع متفرقة من السرد، كذاكرة حية تحفظ تاريخ النضال الشعبي ضد المحتل، ووسيلة من وسائل المقاومة وفضح العدو، وأداة لمجابهة كل صور القهر والظلم، “في شارع 23 يوليو، التصقت الأجساد بالأسفلت، وغنت السمسمية فوق الدم، لا لتغفر بل لتوثق: فوق يا إنجليزي العقل معاك/ شارب نبيذ ولا كونياك/ رجعت وشك زي قفاك/ من بورسعيد الفدائية”، (ص 89). وكما أبرزت الكاتبة فلكلور السمسمية كأداة للتوثيق والتأريخ، عمدت لاستدعاء تاريخ معرفة المدينة بها، “لم تعرف بورسعيد السمسمية سوى بقدوم عبدالله كبربر من قرن بالتمام والكمال، جاء غريباً من السويس، حاملاً آلة مسمسمة تقاطيعها فارغة وصندوقها مصنوع من صفيحة ليتر جاز فارغة”، (ص 73).
دوائر الخديعة
ترصد الكاتبة دوائر من الخديعة تتداخل مستوياتها، وتشرع في تفكيكها، منطلقة من بطلها الذي تجرعها بيديه وأيدي آخرين، فالحب الذي ظن أنه يحمله لـ”ميرفت” لم يكن سوى اعتياد أثمرته العشرة والجيرة الطويلة، وأحلامه طفلاً أن يصبح رياضياً مشهوراً، لم تكن سوى خدعة أخرى تحطمت بعد موت أبيه، ليدرك ألا متسع لأحلام المهمشين، أما ولاؤه لناديه الرياضي (النادي المصري)، فكان خدعة ثالثة آفاق منها بعد مذبحة الاستاد، التي خلفت 72 قتيلاً من المشجعين، كذلك باتت العدالة خدعة حين غابت المحاسبة، وحين كانت المدينة تعرف الحقيقة ولا تفصح عنها. حتى الأمل في سعادة تصنعها وجبة شهية من الأسماك، بات أيضاً خدعة لا يحتملها واقع تتسع فيه مساحات الفقر والبؤس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا المناخ من الوهم والزيف حمل البطل على ممارسة نوع من خداع النفس، بالانسحاب وارتداء ثوب الضحية، ولوم الدنيا والحظ، والتماس الدواء في جلسة حظ أو “ضمة”، يهرع إليها ظاناً أن الحديث عن وجعه بصوت عالٍ، يحرره منه، لكنه يدرك أنها خديعة أخرى تلبي حاجته للهرب من نفسه وتنصله من الذنب، وأن الاعتراف شقاء آخر لا شفاء فيه، “تلك هي الخديعة الأكبر، أن تبدو الضمة مأوى، أن تغني: (خبير دوايا أنا عندكم) وتظن أن الدواء هناك في قعدة حظ حلوة، هي في الحقيقة صالة انتظار كبيرة للهاربين من أنفسهم”، (ص 96).
بطولة المدينة
لا تظهر مدينة بورسعيد كفضاء مكاني للأحداث وحسب، وإنما يسهم استنطاقها ومنحها صوت السرد في تحويلها إلى ذات فاعلة، كانت ضحية للخديعة عبر تاريخ طويل من الاستعمار والبطش والقمع والقتل، وكانت أيضاً خادعة لأبنائها، إذ لم تحل دون دهسهم بتروس تحولات اقتصادية أسفرت عن نفيهم إلى أقصى منطقة من الهامش. واستدعت الكاتبة كثيراً من الحمولات المعرفية لتعزيز طرحها عن المدينة كخادعة ومخدوعة، فتطرقت إلى دماء المصريين التي روتها حين شقت القناة – بالسخرة – في أراضيها، وقتل أبنائها وحصارهم لمنعهم من وداع زعيمهم سعد زغلول، في رحلته إلى منفاه في مالطا، وزج المستعمر بهم في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ودماؤهم التي سالت من جديد جراء العدوان الثلاثي (حرب السويس)، وما تجرعوه من مرارة التهجير، ومقاومتهم الباسلة ضد الاحتلال.
كذلك استدعت تاريخاً من تخبط المدينة مع سياسات الانفتاح الاقتصادي، إضافة إلى تاريخها في كرة القدم، الذي تلوث بمذبحة راح ضحيتها 72 شاباً في مقتبل العمر. وكما أسهبت الكاتبة في استدعاء تاريخ المدينة، وربطته بفكرة الخديعة كتيمة رئيسة للسرد، عمدت إلى إبراز موروثها الشعبي، وصلته الوثيقة بتاريخها النضالي، فلا يزال أبناؤها يحرقون دمية المعتمد البريطاني في زمن الاحتلال في احتفالاتهم بأعياد الربيع، كرمز للمستعمر الإنجليزي، ومندوبه السامي اللورد إدموند هنري ألنبي، ولا يزالون ينشدون المؤازرة، بضم بعضهم بعضاً في “قعدة ضمة”، يحيون عبرها طقساً، عمره أقدم من عمر أوجاعهم.
