في لحظة سياسية بالغة التعقيد، يتصاعد الجدل داخل واشنطن لا سيما في الكونغرس وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حول طبيعة القرار الأمريكي في الانخراط العسكري ضد إيران، وسط تساؤلات حادة عن مدى استقلالية هذا القرار، ومرجعيته الفعلية، ومن يقوده، البيت الأبيض أم إسرائيل.

    وبينما تحاول إدارة الرئيس دونالد ترمب احتواء الغضب المتنامي في الأوساط السياسية وبالذات “الديمقراطية”، تتكشف مؤشرات تململ لا تقتصر على الديمقراطيين فحسب، بل تمتد إلى أوساط جمهورية، بل وحتى داخل قاعدة “ماغا” المحافظة التي طالما شكّلت الحاضنة السياسية الأبرز للرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

    وفي جلسات الإحاطة المغلقة التي قادها وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، قال روبيو -أمس الاثنين- إن الولايات المتحدة بادرت إلى الهجوم بعدما علمت أن إسرائيل ستوجّه ضربة لإيران، وأن طهران ستردّ عليها عبر استهداف مصالح أمريكية في المنطقة.

    حرب اختيارية أم إجبارية؟

    غير أن هذا التبرير لم يقنع شريحة واسعة من المشرّعين والناشطين على وسائل التواصل، فالسيناتور مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، وصف ما جرى بأنه “حرب اختيارية”، محذرا من إدخال الولايات المتحدة إلى “منطقة مجهولة” إذا جرى اعتبار كل تهديد لإسرائيل تهديدا مباشرا لأمريكا، لافتا إلى غياب أي دليل على وجود تهديد وشيك للمصالح الأمريكية يبرر الانخراط العسكري.

    وبالإضافة إلى ذلك، يعكس هذا الطرح قلقا دستوريا متصاعدا بشأن صلاحيات الحرب، في ظل تحركات تشريعية يقودها السيناتوران تيم كين وراند بول لتمرير قرار يمنع أي عمليات عسكرية إضافية ضد إيران دون موافقة الكونغرس، استنادا إلى قانون صلاحيات الحرب.

    وفي سياق القراءات التحليلية للمشهد، يذهب الدكتور خالد الترعاني، المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون الأمريكية، إلى أن “ضغوطا مارستها قوى متطرفة مؤيدة للاحتلال الإسرائيلي دفعت واشنطن نحو مواجهة عسكرية مع إيران”.

    وأوضح الترعاني، في حديثه للجزيرة نت، أن مصادر متعددة أكدت رفض القيادات العسكرية العليا -وهم المحترفون في صناعة الحرب- لما وصفه بـ”المغامرة”، نظرا لغياب أهداف إستراتيجية واضحة لها.

    وأشار إلى أن الأروقة السياسية الأمريكية باتت تضج بتساؤلات ملحة حول المدى الزمني لهذه الحرب، وجدوى الرهان على إسقاط النظام الإيراني، والسيناريوهات البديلة في حال فشل هذا الهدف.

    كما حذّر الترعاني من أن هذه “المغامرة” قد تجر العالم نحو كساد اقتصادي شامل، معتبرا أنها تجسد في جوهرها إرادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف الساعي لتحقيق مصالح تل أبيب، مؤكدا أن ما يحدث اليوم يندرج تحت تصنيف “الحرب الاختيارية” وليس حربا ضرورة فرضتها الظروف.

    blogs نتنياهو وترمبتصاعد الجدل في أمريكا حول من أخذ قرار الحرب على إيران نتنياهو (يمين) أم ترمب؟ (رويترز)سؤال القيادة: ترمب أم نتنياهو؟

    في هذا السياق، برزت تصريحات لافتة للسيناتورة جين شاهين، كبيرة الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية، تساءلت فيها صراحة عمن يقود السياسة الأمريكية اليوم، هل هو ترمب أم نتنياهو؟

    السؤال، الذي كان يعد قبل سنوات من المحرمات السياسية في واشنطن، يعكس جزءا من تحول بطيء في المزاج السياسي، خصوصا داخل أوساط في الحزب الديمقراطي حيث تتصاعد أصوات شابة ترى أن الدعم غير المشروط لإسرائيل قد يزج بالولايات المتحدة في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة.

    وعلى نفس المنوال بل أبعد من ذلك، ذهبت النائبة براميلا جايابال، معتبرة أن السماح لإسرائيل بجر واشنطن إلى مواجهة مفتوحة مع إيران يحمّل الأمريكيين كلفة بشرية ومالية باهظة.

    بيد أن الأمر لم يقتصر على المشرّعين الديمقراطيين، حيث اتهم النائب الجمهوري توماس ماسي الإدارة الأمريكية بالاعتراف عمليا بأن إسرائيل “سحبتنا إلى حرب إيران، التي كلفتنا الكثير من الأرواح الأمريكية ومليارات الدولارات، وقبل أن تنتهي سترتفع أسعار البنزين والمواد الغذائية وكل شيء، فالرابح الوحيد هم المساهمون في الشركات العسكرية”.

    انقسام داخل المحافظين و”ماغا”

    كما أن المفارقة أيضا أن الجدل لم يقتصر على الديمقراطيين وبعض المشرّعين الجمهوريين، فداخل التيار المحافظ نفسه، برز انقسام واضح حول جدوى الانخراط العسكري، حيث تساءلت بعض الأصوات المرتبطة بحركة “أمريكا أولا” عما إذا كانت أولوية الإدارة ما زالت متمحورة حول الداخل الأمريكي، أم أنها انزلقت إلى تبني أجندات خارجية؟

    الناشطة المحافظة كاري بولر، التي أقيلت من لجنة الحريات الدينية في البيت الأبيض، أعلنت رفضها الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، مؤكدة أن مشاهد الحرب في غزة دفعتها إلى طرح سؤال مباشر على ترمب “هل تريد أن يكون إرثك أمريكا أولا، أم إسرائيل أولا؟”، وهذا السؤال، الذي يتردد داخل بعض دوائر “ماغا”، يعكس خشية من تآكل السردية القومية التي قامت عليها الحركة.

    ويأتي هذا السجال وسط تراجع لشعبية ترمب وفقا لبعض استطلاعات الرأي، بينما يضع خصومه سياساته الخارجية تحت مجهر الحسابات الانتخابية.

    وفي خطاب حالة الاتحاد الأخير، شدد ترمب على التزامه بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، في رسالة بدت موجهة إلى الداخل بقدر ما هي للخارج.

    لكن خلف الخطاب السياسي، تتراكم مؤشرات القلق داخل المؤسسة العسكرية نفسها، فتقارير إعلامية تحدثت عن شكاوى متزايدة بين الجنود بسبب طول الانتشار في الشرق الأوسط، لا سيما على متن حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد”، وما يرافق ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية.

    ويرى محللون أن الكلفة الداخلية للحروب الطويلة -اقتصاديا واجتماعيا- غالبا ما تفوق مكاسبها الإستراتيجية، خصوصا إذا غابت الأهداف الواضحة وسقف زمني محدد، وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه منتقدو الحرب، متى تنتهي هذه المواجهة؟ وهل إسقاط النظام الإيراني هدف واقعي، أم أنه مدخل لحرب مفتوحة بلا أفق؟

    US President Donald Trump delivers the State of the Union address in the House Chamber of the US Capitol in Washington, DC, on February 24, 2026. (Photo by Mandel NGAN / AFP)داخل أروقة الكونغرس الأمريكي يتصاعد انقسام حاد وقلق دستوري متزايد بشأن استقلالية القرار العسكري وصلاحيات الحرب (الفرنسية)بين السيادة ومقتضيات التحالف

    الحرب المفتوحة بلا أفق، ليس هي كل ما يثير حفيظة جزء واسع من الأميركيين في الحرب الجارية، بل ما يتعلق أيضا بمستوى “سيادة القرار الوطني”، والحدود الفاصلة بين المصالح القومية الأميركية، ومقتضيات التحالف مع إسرائيل، التي ظل الدعم لها أحد ثوابت الإجماع الحزبي في واشنطن ولعقود متتالية، في حين تكشف التطورات الأخيرة عن إعادة “تموضع تدريجية”، ففي حين يؤكد كثير من المشرّعين دعمهم لأمن إسرائيل، يشددون في الوقت ذاته على ضرورة عدم تعريض حياة الأمريكيين للخطر دون مبرر مباشر.

    على الضفة الأخرى، كان يقف رئيس مجلس النواب مايك جونسون مدافعا عن قرار الرئيس ترمب، معتبرا أن إسرائيل كانت عازمة على التحرك سواء بدعم أمريكي أو دونه، وأن تجاهل ذلك كان سيعرّض القوات الأمريكية لمخاطر كبرى، غير أن هذا المنطق لا يبدد الشكوك حول ما إذا كانت واشنطن قد تحركت استباقيا لحماية مصالحها، أم استجابة لجدول زمني حدده حليفها، بحسب معارضي قرار الحرب.

    في المحصلة، تكشف الأزمة الراهنة عن لحظة -ولو بطيئة- مراجعة داخل النظام السياسي الأمريكي، حيث تتقاطع الاعتبارات الدستورية مع الحسابات الانتخابية، وتتصادم سردية “أمريكا أولا” مع تعقيدات التحالفات الخارجية، وبينما تستمر العمليات العسكرية، يبقى السؤال مفتوحا في أروقة الكونغرس وداخل قواعد “ماغا” على حد سواء، هل القرار الأمريكي في ظل إدارة ترمب مستقل بالفعل، أم أن نفوذ حكومة نتنياهو ما زال عاملا حاسما في رسم مساره؟