سامي تميمي في كتاب وضعه عن الخضار في فلسطين (صفحة الطاهي على فيسبوك)
على الصفحة الرئيسية من الموقع الإلكتروني لصحيفة ذا غارديان البريطانية، يطالعنا تقرير يحيلنا إلى وصفة “فلسطينية” للفليفلة المحشية بالفريكة ولحم الغنم ومتبل الباذنجان، للطاهي سامي التميمي الذي يكتب، قبل الخوض في تفاصيل الوصفة، عن “ذكريات طفولته في القدس ومختلف أنحاء فلسطين، نهاية الربيع وبدايات الصيف، حين كانت الأسواق تمتلئ بالفريكة الطازجة…”.
توجه من الصحيفة البريطانية يستحق الالتفات إليه، تحديداً في خضم الانشغال العالمي بالحرب التي تدور بين واشنطن وتل أبيب وطهران من جهة، وتصاعد الاعتقالات والاقتحامات الإسرائيلية وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، واستمرار حرب الإبادة على الفلسطينيين في قطاع غزة، من جهة أخرى. إذ فجأة، تبدو الإشارة من العنوان إلى فلسطينية هذا الطبق بمثابة إعلان موقف، وسط المحاولات غير المنتهية لـ”أسرلة” الحمص والفلافل والمفتول والكنافة وغيرها من الأطباق، فضلاً عن الثوب الفلسطيني التقليدي وحتى الكوفية، وصولاً إلى نهب المقتنيات الأثرية، والاستيلاء على المواقع التاريخية، وسرقة الكتب والأرشيف الفلسطيني.
هكذا، تُستَخدم الوصفات التقليدية مدخلاً للحديث عن التاريخ والأرض والذاكرة الثقافية الفلسطينية. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن “ذا غارديان” البريطانية من أكثر المنابر ثباتاً في إبراز الأصوات الفلسطينية في المطبخ العالمي، إذ غالباً ما تقدّم الطعام باعتباره شكلاً من أشكال الصمود الثقافي.
هذه ليست الوصفة الأولى التي تنشرها للطاهي الفلسطيني سامي التميمي الذي يعرج على تاريخ الأطباق ومكانها في الذاكرة. مثلاً، نشرت عام 2024 تقريراً موسعاً للتميمي عن المقلوبة و”مائدة إفطار رمضانية بنَفَس فلسطيني”، قدّم فيها وصفات تقليدية للإفطار، مستخدماً الأطباق لربط القارئ بطقوس الشهر في البيوت الفلسطينية. كما تقدم الصحيفة مقالات وتقارير حول المطبخ الفلسطيني تتجاوز الوصفات، إذ نشرت عام 2018 تحقيقاً مطولاً للكاتبة ياسمين خان، استند إلى كتابها “زيتون”، تحت عنوان “وصفات من المطبخ الفلسطيني”.
في التحقيق، استعرضت وصفات مثل المسخّن بالدجاج والسماق. لكن في هذا المقال، تستفيض خان في الحديث عن المطبخ الغزي وصعوبة الكتابة عنه، وعن استحالة فصل الطعام في فلسطين عن واقع الاحتلال الإسرائيلي. وتحكي عن تأثرها بردات الفعل على كتابها في بريطانيا، إذ كتب لها بعض القراء أنهم “بكوا” أثناء قراءته، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لكتاب طبخ، ما يؤكد أكثر الحاجة إلى هذه الأساليب لمقاومة الاستيلاء الثقافي الإسرائيلي.
“نيويورك تايمز” الأميركية شهدت تحوّلاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، إذ انتقلت من تصنيف الأطباق تحت عنوان عام هو “المطبخ الشرق أوسطي” إلى تقديمها ضمن سياق فلسطيني محدد، خصوصاً عبر منصة “كوكينغ”.
عام 2022، نشرت الصحيفة مقالاً عنوانه “بالنسبة للفلسطينيين، الطعام وسيلة لحفظ الهوية”، تناولت فيه أعمال الكاتبة والطاهية الفلسطينية ريم قسيس. تطرق المقال إلى وصفة عائلية للمقلوبة، مع الإشارة إلى دقة تقنية قلب القدر عند التقديم، باعتبارها استعارة لإظهار قدرة الفلسطينيين على الصمود رغم الظروف. هي أيضاً نشرت مراجعة لكتاب خان، وفيها سلطت الضوء على حساء الجمبري الحار من مطبخ غزة.
لم يقتصر هذا الاهتمام على الصحافة الناطقة بالإنكليزية، بل امتد إلى وسائل إعلام عالمية تعاملت مع هذه الوصفات بوصفها سجلاً تاريخياً للذاكرة الفلسطينية. صحيفة إل باييس الإسبانية تناولت أكثر من مرة الجذور المتوسطية للمطبخ الفلسطيني، متوقفةً عند زيت الزيتون وتقنيات إعداد الخبز في أفران الطابون في القرى الفلسطينية.
صحيفة لوموند الفرنسية تناولت في ملاحقها الثقافية ما وصفته بـ”المقاومة المطبخية” لدى الطهاة الفلسطينيين في باريس ولندن، مسلطة الضوء على استخدام مكونات مثل برتقال يافا والجبنة النابلسية في وصفات معاصرة.
