قبل أن تغزو الولايات المتحدة العراق عام 2003، أمضت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش أكثر من عام في طرح مبررات الحرب علناً والسعي إلى الحصول على موافقة الأمم المتحدة. وعندما أخفقت في ذلك، عملت على استمالة عدد من حلفائها وإقناعهم بالانضمام إلى ما عُرف بـ “تحالف الراغبين”.

أما عندما أعلن الرئيس دونالد ترمب، الحرب على إيران في 28 فبراير الفائت، في أكبر عملية عسكرية أميركية بالشرق الأوسط منذ ذلك الحين، إلى جانب شريك واحد فقط هو إسرائيل، فقد اكتفت الولايات المتحدة بإبلاغ بعض حلفائها الأوروبيين قبل الهجوم بلحظات، في حين لم يتلق آخرون أي اتصال على الإطلاق.

وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”، يعكس هذا التحول في النهج ليس فقط اختلافاً في طبيعة هذا الصراع، كونه حرباً جوية لا غزواً برياً، بل يعكس أيضاً “توجهات رئيس أميركي يتبنّى رؤى مختلفة جذرياً عن أسلافه بشأن كيفية ممارسة الولايات المتحدة لقوتها على الساحة العالمية، وما إذا كان ينبغي لها أن تأبه برأي الدول الأخرى، حتى الصديقة منها”.

سياسة “الأمر الواقع”

ولطالما كان دونالد ترمب متشككاً في التعددية وفي النظام الدولي القائم على القواعد، مجادلاً بأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تُقيَّد بمواقف دول أخرى، وأن عليها أن تشعر بالحرية في الدفاع عن مصالحها بقوة، حتى لو عارضها الحلفاء. وجاء الهجوم الذي أسفر عن مصرع كبار قادة إيران بعد أسابيع فقط من عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو.

وقال كريستوفر بريبل، مدير برنامج “إعادة تخيل الاستراتيجية الكبرى الأميركية” في مركز ستيمسون للأبحاث لـ”وول ستريت جورنال”: “ترمب لا يريد لأحد أن يقيد يديه. يريد أن يكون قادراً على اتخاذ هذه الإجراءات وأن يأمل في أفضل النتائج”. وأضاف أن الإدارة تجاوزت الكونجرس أيضاً في هذا السياق.

وأحد أسباب تقليل ترمب من أهمية مشاركة الحلفاء، وفق مراقبين، أن قلة منهم، باستثناء إسرائيل وكوريا الجنوبية، يمتلكون قدرات عسكرية أو استخباراتية كبيرة، بسبب تخفيضات الميزانيات منذ نهاية الحرب الباردة. فمنذ حرب العراق، تراجع عدد أفراد القوات المسلحة البريطانية المدربين تدريباً كاملاً بنحو الثلث.

وقال جنرالات أميركيون كبار، حسبما أوردت الصحيفة، إنهم “لم يعودوا يعتبرون بريطانيا قوة قتالية من الصف الأول”.

وخلافاً لذلك، بذلت الإدارات السابقة، الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، جهوداً كبيرة للحصول على دعم الحلفاء، ولاسيما في أوروبا، للعمليات العسكرية الخارجية، بما في ذلك الحروب الجوية مثل حملة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في عام 1999 في يوغوسلافيا السابقة، وذلك وفق راشيل إليهووس، التي شغلت مناصب رفيعة في وزارة الدفاع الأميركية ومثّلت وزير الدفاع لدى الناتو، وتشغل حالياً رئاسة معهد Royal United Services في لندن.

وقالت إليهووس: “كان يُنظر إلى الأوروبيين على أنهم يحترمون القانون الدولي ولديهم بوصلة أخلاقية قوية، وكأن دعمهم يمنح شرعية دولية. لذلك كنا نهتم بتلك الشرعية”. وأضافت أن إدارة ترمب تبدو وكأنها تعتبر هذا الدعم، المعنوي أو المادي، غير ضروري.

وفي هذه المرة، وُضع القادة الأوروبيون أمام أمر واقع، فوجدوا أنفسهم يسارعون إلى إصدار رسائل تطمين للعالم ولناخبيهم بأنهم غير متورطين في الهجمات، مع إدانة تعنّت إيران في ملفها النووي، ودعمها لـ”الإرهاب”، وردها العشوائي على الضربات.

ورغم المواقف غير المتحمسة للحرب من معظم حلفاء واشنطن، إلا أن ترمب تلقى دعماً لفظياً للعملية العسكرية في إيران من بعض الحلفاء، من بينهم كندا وأستراليا وفرنسا وأمين عام الناتو.

وقالت فرنسا وألمانيا وبريطانيا، التي لم تشارك في الضربات الأولى، في بيان مشترك إنها قد ترد على وابل الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، التي أصاب أحدها حظيرة طائرات في قاعدة فرنسية بالإمارات، عبر مهاجمة منصات الإطلاق “من المصدر”، في إشارة إلى داخل إيران، وهو ما قد يجرّها إلى قلب الصراع، بحسب الصحيفة.

لكن في أنحاء واسعة من أوروبا، يسود تشكك أوسع في مدى توافق الحملة العسكرية مع القانون الدولي. ولا يبدو أن حكومات أوروبية كثيرة مقتنعة بتصريحات إدارة ترمب بأن إيران شكّلت “تهديداً وشيكاً” للولايات المتحدة وإسرائيل. كما يخشى الأوروبيون من أن تؤدي الحملة إلى زعزعة استقرار إيران، الدولة التي يبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة، وتقع بمحاذاة أهم طرق إمدادات النفط في العالم.

وقال دانيال فريد، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون أوروبا لـ”وول ستريت جورنال”: “هل كان بإمكان ترمب أن يشكل تحالفاً كما حدث في حرب الخليج؟ هذا مستحيل، إذ لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً من إيران. لم يكن لدى ترمب أي حجج تقنع حتى الدول الصديقة له بالانضمام”.

وقد تزيد الخلافات حول قانونية أو حكمة ضرب إيران من تدهور العلاقات عبر ضفتي الأطلسي (الولايات المتحدة وأوروبا)، التي تضررت أصلاً بسبب الحروب التجارية لترمب، وتهديداته بشأن جرينلاند، ومساعيه لفرض اتفاق السلام مع روسيا على أوكرانيا ينظر إليه في أوروبا على أنه يصب في مصلحة روسيا أكثر مما ينبغي.

وفي البداية، منعت كل من إسبانيا وبريطانيا، التي لطالما قدّمت نفسها على أنها الحليف العسكري الأوثق لواشنطن، الولايات المتحدة من استخدام قواعد عسكرية على أراضيهما، بما في ذلك قاعدة دييجو جارسيا الكبيرة في المحيط الهندي، لتنفيذ الضربات الأولى التي قتلت كبار قادة النظام الإيراني.

لكن في وقت متأخر من الأحد، غيّرت الحكومة البريطانية موقفها بعد أن بدأت إيران بإطلاق وابل من الصواريخ رداً على الضربات، ومنحت واشنطن الإذن بتنفيذ عمليات “دفاعية” ضد منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية ومواقع تخزينها انطلاقاً من القواعد البريطانية.

وفي وقت سابق الاثنين، قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيجسيث، إنه ينتقد “العدد الكبير من حلفائنا التقليديين الذين يكتفون بالتظاهر بالقلق، ويترددون كثيراً في شأن استخدام القوة”.

مخاوف تكرار أخطاء غزو العراق

وقال ترمب لاحقاً لصحيفة “تليجراف” البريطانية، إنه “خاب أمله كثيراً” من قرار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأولي بمنع تنفيذ المهمات الأميركية، وإنه “استغرق وقتاً طويلاً جداً” قبل أن يغيّر رأيه.

لكن ستارمر رد بدوره، أوضح أنه يرى أن الولايات المتحدة “تُخاطر بتكرار أخطاء غزو العراق” في عام 2003، الذي جرى تبريره حينها باعتباره حرباً وقائية للدفاع عن النفس ضد أسلحة دمار شامل مزعومة لدى العراق، تبيّن لاحقاً أنها غير موجودة. كما فشلت الولايات المتحدة في وضع خطة طويلة الأمد للعراق، الذي انزلق لاحقاً إلى العنف والفوضى.

وقال: “هذه الحكومة لا تؤمن بتغيير الأنظمة من السماء. لقد علمتنا دروس التاريخ أنه عندما نتخذ قرارات من هذا النوع، فمن المهم أن نُثبت وجود أساس قانوني لما تقوم به المملكة المتحدة. وهذا أحد دروس العراق”.

وأضاف رئيس الوزراء البريطاني، أنه من الضروري وجود “خطة قابلة للتنفيذ ومدروسة جيداً، بهدف يمكن تحقيقه”.

تراجع الدعم الدولي

“وول ستريت جورنال” اعتبرت أن “العيب الواضح في اتباع ترمب نهج التحرك المنفرد يتمثل في أنه يوفر للولايات المتحدة دعماً أقل على الساحة العالمية، ويجعلها تبدو في نظر البعض وكأنها انتقلت من كونها حارساً للنظام الدولي إلى أحد أكبر التحديات التي تواجهه، حتى وإن كان كثير من الحلفاء يتفقون على أن إيران دولة مارقة ويدعمون فكرة تغيير نظامها”.

وتُشكّل الحرب على إيران، تبايناً واضحاً مع كلتا الحربين الكبيرتين السابقتين اللتين قادتهما الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ففي أواخر عام 1990، حصل الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الأب على تفويض من الأمم المتحدة لاستخدام القوة لطرد العراق من الكويت، وتشكّل تحالف واسع من الدول أرسل قواته، من بينها بريطانيا وفرنسا والسعودية ومصر وغيرها. وحتى إن كانت بعض المشاركات رمزية، فإنها وفرت غطاءً معنوياً.

أما ابنه، الرئيس السابق جورج دابليو بوش الابن، فقد نجح في استقطاب عشرات الدول لدعم غزو العراق في عام 2003، سواء عبر تقديم دعم لوجستي أو إرسال قوات، مثل بريطانيا وأستراليا وبولندا. كما ساهمت دول عديدة في حلف الناتو، مثل الدنمارك وبريطانيا وألمانيا، في دعم القوات الأميركية خلال الانتشار الذي استمر قرابة 20 عاماً في أفغانستان.

وأشارت “وول ستريت جورنال” إلى أنه من أسباب سعي الولايات المتحدة إلى إشراك الحلفاء في السابق، أنهم أحياناً “يقدمون نصائح مفيدة”. فقد غضب الرئيس الأميركي ليندون جونسون في حقبته لأن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون رفض إرسال قوات بريطانية إلى فيتنام. ولاحقاً، رفض المستشار الألماني جيرهارد شرودر والرئيس الفرنسي جاك شيراك تأييد غزو العراق عام 2003، بحجة أن الولايات المتحدة لم تقدم أدلة كافية على سعي النظام العراقي لامتلاك أسلحة دمار شامل، وهو ما أثبتت الأيام صوابه.

ويرى محللون، حسبما نقلت “وول ستريت جورنال”، أن غياب دعم أكثر وضوحاً من الحلفاء “ينبغي أن يشكل إنذاراً للولايات المتحدة بأنها تقف على أرضية قانونية واستراتيجية هشة في هذا الصراع”. وقالت راشيل إليهووس: “أقول دائماً للبريطانيين: إذا كانوا يؤمنون حقاً بالعلاقة الخاصة، فإن واجبهم هو أن يقولوا الحقيقة للسلطة، وأن يواجهونا عندما نتخذ قراراً سيئاً”.

وفيما يتعلق بالضربات على إيران، لم تحصل الولايات المتحدة أيضاً على دعم صريح من حلفائها في الشرق الأوسط، بحسب جون ألترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إذ أشار إلى أن جيران إيران “ينطلقون من فرضية أن إيران ستبقى موجودة لفترة طويلة جداً، وهم من سيتحملون تبعات أي تداعيات جانبية”.

“مأزق” احتواء تداعيات قرار ترمب

ولفتت الصحيفة إلى أن الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران، شكّل “صدمة” للحلفاء الأوروبيين لأنه يتعارض بشكل صارخ مع أحد افتراضاتهم الأساسية بشأن ترمب، وهو أنه انعزالي. فقد أمضى مسؤولون أوروبيون شهوراً وهم يتوجسون من كيفية الحفاظ على أمن المنطقة إذا ما انكفأت الولايات المتحدة على نفسها.

أما الآن، فيخشون الاضطرار إلى احتواء تداعيات قرار ترمب إسقاط النظام الإيراني. ويشمل ذلك مخاوف قصيرة الأمد، مثل كيفية حماية مئات الآلاف من الأوروبيين المقيمين والعاملين في دول الخليج، إضافة إلى مخاوف متوسطة الأمد من أن تؤدي حالة عدم الاستقرار إلى موجة هجرة نحو أوروبا أو إلى أزمة في قطاع الطاقة.

وقال دانيال فريد للصحيفة، إن القادة الأوروبيين يجدون أنفسهم في مأزق، فهم يخشون انتقاد ترمب علناً خشية أن يسحب الدعم العسكري الذي يقوم عليه أمن القارة في مواجهة روسيا الساعية لاستعادة نفوذها، وفي الوقت نفسه لا يريدون أن يُنظر إليهم على أنهم داعمون لنظام إيراني “استبدادي”.

وسعى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي التقى ترمب في البيت الأبيض، الثلاثاء الماضي، في زيارة مقررة سلفاً، إلى الحفاظ على قدر من “الوحدة الغربية”، قائلاً: “الآن ليس وقت توجيه اللوم إلى شركائنا وحلفائنا”.