في الأسبوع الأول من الموسم الرمضاني الحالي احتل مسلسل “عين سحرية” من كتابة هشام هلال عن فكرة لانا الجندي وإخراج السدير مسعود، صدارة الاهتمام من قبل المشاهدين الباحثين عن مستوى جيد ومتوازن فنياً ودرامياً، وسط موسم خشن، متواضع، يمكن أن نطلق عليه موسم ملامسة القاع، إذ هبطت الدراما التليفزيونية المصرية القادمة من قمم عالية، وراحت تنحدر ببطء عبر سنوات تجاوزت العقدين، وبدأت في الموسم الحالي تلامس قاع السقوط لأسباب كثيرة ومعروفة، أبرزها وأكثرها فداحة هو ضعف مستوى الكتابة وهشاشة الأفكار، وغياب القدرة على البناء الناضج، وركاكة الجاذبية والتوحد المفترض أنه ينبع ويتحقق من تفاصيل وشخصيات العمل، وليس من مغازلة منصات التواصل الاجتماعي أو الحصول على مباركة الترند وإثارة الجدل الباهت.
ظل عين سحرية طوال الحلقات السبع الأولى صامداً بحكايته المثيرة وإيقاعه الرشيق المدرك لطبيعة خلطة الأنواع التي انطلق منها – الإثارة والجريمة والميلودراما – وهي خلطة ذكية وجذابة إذا أحُسن استغلالها على مستوى أبعاد الشخصيات وطبيعة القصة وتعدد مستويات الصراع، والصراع بالفعل لم يكن يدور فقط على مستوى الجرائم التي تُرتكب ويتم اكتشافها أو فضحها، ولكن على المستوى النفسي في ما يتعلق بتاريخ الشخصيات وعقدها ومشكلاتها الداخلية، وعلى مستوى العلاقات الإنسانية في ما بينها وتعقيداتها المتطورة والصاعدة؛ أزمة عادل مع ماضي أبيه وزكي مع ماضيه واقترابه الحزين من ابنته المريضة وعلاقة الأبوة والبنوة التبادلية بين الاثنين الذي يحمل كل منهم صفة بطولة يحتاجها الصراع فأحدهما عادل والأخر زكي.
ثم فجأة يتصدع هذا البناء الجميل، متعدد الطبقات، وينهار تماسكه الأنيق تحت وطأة الاستسهال واللجوء للصدف الملفقة والتقليل من شأن الأرتباط الذهني والشعوري الذي تشكل عبر ثقة المتلقي في أن صناع العمل يوقرون ذكاءه ويبجلون وعيه وذائقته.
نعم للقرار.. لا للصدفة
حين يقبل المهندس الشاب عادل أن يتورط بكامل إرادته في جريمة مراقبة غير رسمية، تحت وطأة الحاجة للمال مثل أي بطل ميلودرامي تقليدي لديه أزمات مادية؛ فاتورة مياه ضخمة وتهديد بالطرد من شقة إيجار قديم، وعائلية؛ أم مريضة وأخ منحرف لديه ميل هوسي للسرقة تعويضاً عن غياب الاهتمام المطلوب؛ ولديه أيضاً ماضي مشين متمثل في سمعة أبيه الذي مات في السجن إثر جريمة مخلة بالشرف، نقول حين يقبل عادل التورط مع امرأة تريد مراقبة زوجها، ليصبح شاهداً على جريمة تصفية الزوج وعشيقته، ما يفتح عليه باباً صغيراً للجحيم ما يلبث أن يصبح بوابة ضخمة تخرج منها ألسنة لهب لافحة! حين يقبل التورط فهذا يعني أن الشخصية نتيجة أبعادها الدرامية وأزماتها الواضحة أخذت قرار سوف تدفع ثمنه لاحقاً، وسوف يؤدي بها إلى مزيد من القرارات والتنازلات والاخفاقات، والقرار الدرامي النابع من طبيعة الشخصية والمدفوع بأزماتها يضع المشاهد في حالة تقبل ذهني وشعوري، واستغراق شبه كلي مع البطل، وتداعيات القصة، لأن النص أفلح في تحقيق الإيهام اللازم لكي يقنع المتفرج بتأثير القرار وضرورته، وأن كل ما ينبني عليه من أحداث يأتي نتيجة فعل واع مدرك أو غير مدرك لعواقب الأمور.
ولكن أن يذهب عادل إلى مكتب المحامي الفاسد شهاب الصفطاوي مدعياً أن له أخت تريد إقامة دعوى طلاق ضدها زوجها؛ وبالصدفة يشاهد إعلاناً يخرج من طابعة السكرتارية يطلب مهندس دعم تقني للمكتب، فيلتقط الفرصة لكي يدخل مؤسسة شهاب ويبث عيونه السحرية (كاميراته الصغيرة المخفاة) ويسجل لشهاب انحرافاته!
هذه الصدفة مثلاً كفيلة بأن تدمر البنية المنطقية لنص مثير قائم على التأمر والتفتيش خلف الشخصيات والعثور على أدلة تدين فسادهم وتحقق العدالة الغائبة.
أو أن تذهب مريم مساعدة شهاب للعزاء في وفاة أم عادل فتقع عليها القهوة بالصدفة وتدخل الحمام بالصدفة لتجد بالصدفة علبة الدواء الخطير الذي كان يجربه الطبيب الفاسد بأس من شهاب على الأم، فتعرف حقيقة الأمر وتصارح عادل، لكي يصبح ثأره مع شهاب شخصي – دون حاجة إلى ذلك بالمناسبة – أو أن يأتي شهاب بالصدفة بنفسه للعزاء أيضاً في أم عادل بينما يكون زكي وعادل فوق السطوح معاً، فيلتقي شهاب حسن شقيق عادل الصغير ويستدرجه بكل بساطة واستسهال ليعرف منه حقيقة علاقة عادل وزكي؛ وهو سر درامي خطير بالمناسبة يحول اللعب بعد ذلك ليصبح على المكشوف!
هذه الصدف التي يوكل لها الصناع مهمة تصعيد الصراع وإزكاء نار المواجهات هي نفسها التي تفقد المتفرج شغف التورط، وتحيله إلى مجرد عين خارجية تطالع دون اهتمام سير الأحداث التي لم يعد لها منطق متماسك أو التي جرى هدمها في مخيلته عبر علامة استفهام سخيفة (ماذا لو لم تحدث هذه الصدفة أو تلك؟) كيف كانت الأحداث ستنمو والصراع سيزيد والمواجهات تزداد حدة؟ في الدراما القرار هو أبو الأحداث الشرعي والصدفة هي أم سفاح لما يتبعها من مواقف أو تراتبات.
ضعف الخصم
في المشهد الأخير من المسلسل يدور حوار طويل بين المحامي العجوز زكي الذي مزقته جدلية تطبيق القانون الأرضي أم روح العدالة السماوية، وعادل الذي يرى أن العدالة في ذروتها الشعرية يجب أن تتحقق بأيدينا على الأرض لكي نستحقها في السماء على حد تعبيره، يلخص لنا المسلسل عبر الحوار هدفه الدرامي أو سؤاله شبه المفتوح! بعدما تجاوز البطلان كل الأزمات التي واجهتهما تقريباً، والتي جاء تجاوزها في ذروته عبر استخدام أداة سهلة جداً وهي التسجيل لشهاب بينما يعترف تفصيلياً بأنه ارتكب كل المفاسد التي يطارداه بسببها.
التلخيص الحواري لقضية العمل هو أداة سرد أصبحت أساسية ومعمول بها في الأونة الأخيرة مع انتشار ما يعرف بثقافة الشاشتين، أي مشاهدة العمل ومطالعة الهاتف المحمول في نفس الوقت، وبالتالي احتياج إلى الحوار لكي يمنح المتفرج كبسولة القضية لتنزلق إلى وعيه بسهولة، لكن الأزمة هنا ليست في الحوار – العميق والحساس بالمناسبة – ولكن في الحلول السهلة جداً التي لجأ لها الصناع من أجل أن يصلوا بنا لهذه الكبسولة.
منها أن حصول كل من زكي وعادل على الأوراق التي تدين شهاب إدانة كاملة جاء عبر تطوع مجاني من أشخاص لم يكونوا ضمن دائرة الصراع من البداية، ونعني بهم الشخص الغامض الذي منح زكي بسهولة ملفاً يدين شهاب لكي ينتقم منه ويجهز عليه! أو مريم نفسها التي تكشف عن وجه أخر هو أزهار الهاربة من جريمة قتل تجعلها تحت رحمة شهاب طوال الوقت، وسبباً في تصفيتها الجسدية، ما يدفعها قبل أن تموت بدقائق إلى إرسال كل الأوراق إلى عادل بعدما قاومت طويلاً – دون مبرر قوي – أن تمنحه إياها رغم تهديدات شهاب وشراسته ضدها!
إذن لم يأت الحل هنا عبر العين السحرية التي كانت سبباً في الإيقاع بفاسدين آخرين! ولكن عبر أيدي خارجية! لكن شهاب يحصل على الورق بشكل ساذج في المحكمة عند سقوط زكي مسموماً! وهنا تتدخل العين السحرية بحل أكثر سهولة وهو اكتشاف أن عادل سجل لشهاب المحامي العقر، النابغة، المتحوط، الحريص، بالعين السحرية الصغيرة في ملابسه؛ اعترافاً كاملاً!
من مبادئ الإثارة هو أنه كلما زادت قوة الخصم ومتانته الإجرامية كلما زادت قوة البطل وفتنته الدرامية في نظر المتفرج، أي أنه كلما كان الخصم قوي يصعب النيل منه إلا بشق الأنفس كلما كان توحد المتفرج مع البطل أشد، وبالتالي تورطه شعورياً ونفسياً في الصراع بصورة أكبر وأعمق، لأنه يجاهد مع البطل لدحر هذا الخصم وتحقيق العدالة المطلوبة.
ما فعله الصناع أنهم حاولوا منح شهاب بعض القوة وبعض الضعف الإنساني، قسموا شره ما بين نوازع طمع وشراهة إنسانية وبين ماضي ملوث بمأساة شخصية، هي موت أخيه الأصغر مريضاً دون علاج، وبالتالي تحول شهاب إلى مجرم سيكوباتي يستمتع بتجربة الأدوية التي لا تزال تحت الاختبار على مرضي يحتاجون العلاج ولو بالوهم، كأنه ينتقم فيهم من القدر الذي لم يمهل أخاه.
هل هذا الدافع الشخصي للشر جعل من شخصية شهاب خصم أكثر قوة؟ في الحقيقة لا!
هل كانت تكفي النوازع الإنسانية الدونية في أن تحقق لنا هيبة الشر الوسيم؟ أجل!
إذن ما الذي أضعف شهاب كخصم أصبح الإيقاع به سهلاً عبر (حركة) متوقعة جداً من مهندس تقنيات سرية! ما أضعفه هو أن النص لم يركز على ادوات قوته كالحرص أو الذكاء الشديد أو التحوط، ما جعله صيداً سهلاً لعادل في تصرف هوليودي مستهلك – استدراج الخصم للاعتراف والتسجيل له – لصالح لحظة ضعف ومكاشفة مجانية عن أخيه الأصغر الذي مات قبل اكتشاف دواء لعلاجه!
سهولة الايقاع بشهاب وتوقعه، أفسدا ذروة الصراع، وجعلا خاتمة المسلسل مجرد عملية كشف تقليدية لما سبق أن انتظره المتفرج بالفعل دون جهد أو مفاجأت! صحيح أنه تم بالعين السحرية، ولكنها عين قديمة، ضعيفة النظر، شاهدنا عبرها من قبل خصوم كثيرة مثل شهاب تقع بنفس الطريقة البسيطة والسهلة.
نقاء البطل ودلالة الأب البديل
يمكن أن نتوقف أيضاً أمام ظاهرة مكررة في الميلودراما المصرية وهي محاولة تنقية البطل دائماً من أي شوائب تخص أخلاقه أو أسرته أو تاريخه! لكي يظل ناصع البياض والسريرة في نظر المتفرج دون داعي حقيقي لذلك، أو بغض النظر عن كون هذا يتناقض أو يتعارض مع أصول البناء الرمزي او دلالات العلاقات بينه وبين الأخرين داخل الصراع.
وكما لم تكن هناك ثمة أهمية لأن يكون شهاب قادماً كخصم شرير من أرضية عقدة نفسية تخص الأخ الراحل، لم يكن هناك داع لأن يكتشف عادل أن أباه كان بريئا وأنه مثل عم زكي تماماً، تم توريطه في جريمة اختلاس واضطر للاعتراف بها لكي يحمي أبناءه، وظل عادل ناقماً عليه طوال حياته بسبب هذه الجريمة الملفقة التي لم يكن يعلم أبعادها.
بنى النص علاقة شديدة القوة والأهمية وتعدد الدلالات بين عادل وعم زكي، وهي واحدة من أقوى العلاقات التبادلية في الدراما المصرية خلال السنوات الأخيرة؛ أصبح زكي هو الأب البديل بالنسبة لعادل، الأب الذي كان عادل يتمناه؛ حنوناً وصارماً وطيباً وشريفاً وقوياً، يحمل مشاعر طاغية تجاه ابنته التي حرم منها بسبب الجريمة التي تم تلفيقها له قبل 20 عاماً، ويصبح عادل مؤمناً ببراءته ونقاءه وقوته حتى أنه في مرحلة ما يتعامل معه كأب وينسى تماماً أزمة الأب المجرم التي طالما طاردته.
لكن النص لا يكتفي بهذا الاستبدال الرائع والقوي جداً بين أب مجرم غائب وأب برئ حاضر وعميق التأثير؛ بل يقدم على تحطيم هذه العلاقة الشعرية الجميلة، بأن يجعل زكي سبباً في تبرئة أبو عادل بعثوره السهل على واحد من ملفقي الجريمة القديمة واعترافه بحقيقة جريمته من أجل أن يريح ضميره؛ هنا يخلق النص توازي بدائي جداً بين زكي والأب الراحل يفسد كل البناء المجازي الملفت الذي اجتهد فيه طوال الحلقات تقريباً لكي يحل زكي محل الأب المجرم الراحل، ويتحرر عادل عن طريق هذا الاستبدال المطمئن من تروما الأب الخاطئ؛ ويضمن لنفسه ثقة بالنفس والروح نابعة من تجربته مع زكي بكل مشاقها النفسية والإنسانية.
كل هذا من أجل تنقية عادل من شوائب الماضي وغسله في عين المتفرج، لكي يستحق من وجهة نظر الصناع أن يكون بطلاً دراماتيكياً كما يقول كتالوج الميلودراما المصرية.
الخروج عن النوع
يندرج عين سحرية تحت نوع/ genre الإثارة والجريمة المطعمة بالميلودراما الاجتماعية، ومثل كل الأنواع الدرامية ثمة أسلوب معين في معالجة تفاصيل بعينها داخل البناء الدرامي ومنها مثلاً كيفية تحقيق ما يعرف بتخفيف حدة الصراع، والذي يصبح أحياناً مسؤولية شخصية أو اثنتين داخل بيئة الأحداث، وأحياناً يأتي على شكل صفة في البطل نفسه كأن يكون ساخراً أو خفيف الظل حتى في أصعب المواقف، أو أن يأتي في شكل سنيد البطل أو الصاحب الذي يملك قدراً من الطرافة وخفة الدم، وهو العنصر الذي استخدمه صناع المسلسل متمثلاً في شخصية (توحة) صديق البطل التي قدمها أحمد بيلا؟، لكن توحة جاء على حد تعبيرات الموضة out of Style أي قديم النزعة وخارج عن النوع، هو شخصية هزلية كاريكاتورية على قدر من الغباء والتفاهة والسطحية، ما يجعل وجوده دوماً كاسراً للإيهام الخاص بجدية الأزمات أو خطورة المواقف وحساسيتها التي تصل إلى حد التهديد بالتصفية الجسدية، كما حدث مع مريم نفسها التي تعاونت معهم، شخصية توحة كان المراد منها تخفيف حدة الصراع عبر الطرافة فصارت دخيلة على النوع والأسلوب، لا تملك مصداقية لدى المتفرج أن عادل وزكي بكل ذكائهما وخطورة ما يتورطان فيه يمكن أن يعتمدا على شخص مثله، بل ومن الصعب تقبل أن عادل في عز أزماته يملك وقتاً وطاقة لكي يتسامر أو يحتمل افيهات وتفاهات توحة! وكأننا أمام فاصل كوميدي مقحم وسط حالة استنفار وخطورة ماحقة.
يمكن أن نضيف أيضاً أن النوع نفسه يفتقد إلى ما يعرف بالتهديد المستمر للبطل أو حافة الخطر المرعبة، إذ تعتمد الإثارة على أن يظل البطل في حالة تهديد مستمر هو وكل فريقه من قبل الخصم وفريقه، لضمان الإمساك بتلابيب المتفرج طوال الوقت، لكن الغريب في المسلسل أن عادل بعد أن يخطف أخيه حسن مثلاً ويكادا أن يفقدا حياتها؛ يعودا إلى المنزل الذي يعرفه شهاب ورجاله جيداً، وأن مريم نفسها المهددة من شهاب والتي تعرف أنه يمكن أن يدل على مكانها لراغبي الثأر؛ تظل مقيمة في شقتها حتى يأتي لها الجلاد الأصلع من البلد كي ينتقم؛ وأن زكي رغم أن اللعب صار على المكشوف مع كل الأطراف يظل يقيم في إخلاص شديد داخل غرفته المعروفة بالبنسيون في وسط البلد – وهو الرجل الحذر الذي كان يضع ورقة في طرف الباب لكي تكشف له من دخل الغرفة – فهل هذا معقول، وهل يغيب عنهم بكل سذاجة أن شهاب يمكن أن يرسل من يصفيهم كما حدث بالفعل في النهاية؛ وتم الايقاع بمن حاولوا ذلك بكل سهولة لضمان دخول الشرطة على الخط في الحلقة الأخيرة.
عدم إدراك مبدأ التهديد المستمر بشكل ناضج جعل النص يبقي على فريق البطل كل في مكانه وكلهم ثقة في أن شيئاً لن يحدث لهم؛ أو كأنهم أمنوا أن الحكاية في طريقها للانتهاء بانتصارهم المبين، فنزعوا عنهم عنصر التهديد، وبالتالي نزعوا عن الحلقات الأخيرة عنصراً مثيراً وجذاباً وذا دلالة؛ مثل اضطرار البطل وأخيه مثلاً إلى مغادرة شقة الأسرة خوفاً من عودة شهاب ورجاله لخطفهم وبالتالي تأثرهم الشديد نتيجة ارتباطهم بالبيت.
إن تحقيق الإثارة يتطلب حشداً كبيراً من عناصر الصدام والتهديد والخطر بشكل يتجاوز الإضاءة الخافتة أو التكوينات التي تعتمد على ظلال النوافذ الملقاة على وجوه الشخصيات في عز النهار، أو اللون الأزرق الذي يسحب الروح والسخونة من الأماكن حتى في المواقف التي تحتاج إلى إحمرار الدم وصفرة الخوف والموت.
تبقى الإشارة إلى أن أكثر ما عوض مشكلات السيناريو التي أشرنا إليها هو الأداءات الجميلة والصادقة والمفعمة بالطبيعية والقوة والتقمص المجيد من قبل كل من باسم سمرة، وعصام عمر، ومحمد علاء، سواء في مشاهد الصدامات العنيفة أو البوح الفردي، وهو ما يحسب أيضاً إلى المخرج السدير مسعود، رغم مبالغاته الهوليودية في التصوير ورسم شخصيات الأماكن بصورة تعبيرية بعيداً عن واقعية مصادر الإضاءة أو طبيعة البيئة البصرية المصرية، إلى أنه دون شك لديه حس توجيهي مفعم بالفهم والدقة والحساسية في ما يتعلق بانفعال وحركة الممثلين الذين يقفون أمام الكاميرا.
* ناقد فني
