
القاهرة ـ «القدس العربي»: دعا سياسيون وحقوقيون مصريون إلى تعديل القانون رقم 73 لسنة 2021، الذي يقضي بفصل من يثبت تعاطيه المخدرات من العاملين في الجهاز الإداري للدولة والمؤسسات الخاصة ذات النفع العام، بعد أن تحول إلى آلة فصل جماعي للعمال والموظفين. جاء ذلك خلال ندوة عقدتها دار الخدمات النقابية والعمالية لبحث تأثير القانون على العمال، ومناقشة التعديلات المقترحة.
ويوجه حقوقيون انتقادات واسعة للقانون، باعتباره أدى إلى فصل الآلاف من أعمالهم، ويطالبون بتعديله، للتفريق بين حالات التعاطي والإدمان، وأنه في حال إثبات إدمان العامل للمخدرات، يكون دور الدولة إخضاعه للعلاج، لا فصل من عمله الذي يهدد مستقبل أسرته ويفقدها مصدر دخلها.
جريمة اجتماعية
وقال كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، إن القانون تحول إلى جريمة اجتماعية، معتبرا أن تطبيقه أسفر عن خراب بيوت كثير من العاملين لأسر فقدت مصدر رزقها الوحيد، لافتا إلى أن الدار أعدت ورقة متكاملة تتضمن مقترحات تعديل القانون، استنادًا إلى توصيات لجنة الدفاع عن الحريات النقابية، التي تضم ممثلين عن النقابات المستقلة وأحزابا سياسية ومنظمات مجتمع مدني.
ولفت إلى أن إنهاء الخدمة بموجب القانون لا يراعي الأبعاد الاجتماعية، ولا يضع في الاعتبار وجود أسر تعتمد بشكل كامل على دخل العامل، مطالبًا البرلمان الجديد بتبني التعديلات المقترحة واتخاذ موقف واضح من القانون.
فيما قدمت رحمة رفعت، المستشارة القانونية للدار، قراءة قانونية تفصيلية لمواد القانون، مؤكدة أن القانون لم يواجه اعتراضات كافية وقت صدوره، نتيجة مناخ عام ربط أي اعتراض بمحاولة الدفاع عن تعاطي المخدرات، مشددة على أن ذلك مثل توصيفا خاطئا.
عوار دستوري
واعتبرت أن القانون يشوبه عوار دستوري واضح، لأنه يفرض شروطًا للاستمرار في العمل لا ترتبط مباشرة بعلاقة العمل ذاتها، بل تمتد إلى الحياة الشخصية للعامل خارج أوقات العمل، ما يمثل مساسًا بالحرية الشخصية والحقوق اللصيقة بالإنسان، التي يكفلها الدستور.
ولفتت إلى أن النصوص الحالية تعتمد بشكل شبه حصري على «التحليل الفجائي»، دون النظر إلى ملف العامل الوظيفي أو تقييم أدائه أو سلوكه المهني، كما أن التحليل التأكيدي يُجرى على العينة ذاتها، ما يثير تساؤلات حول ضمانات النزاهة والشفافية. وكشفت عن وجود طعن أمام المحكمة الدستورية العليا على مواد جوهرية في القانون، هي المواد 2 و3 و5، مشيرة إلى أن المحاكم ألغت بالفعل عددًا من قرارات إنهاء الخدمة لقصور في الإجراءات أو بطلانها.
وأكدت ضرورة التفرقة بين «التعاطي» و«الإدمان»، معتبرة أن التعاطي في حال عدم تأثيره على الأداء الوظيفي لا يجب أن يؤدي إلى الفصل المباشر، بينما في حالة ثبوت الإدمان ينبغي التعامل مع العامل باعتباره مريضًا يحتاج إلى علاج، ومنحه إجازة علاجية بدلامن إنهاء خدمته.
فيما طرح وزير العمل المصري السابق الدكتور أحمد حسن البرعي سؤالين رئيسيين: هل كان القانون ملائمًا من الناحية القانونية وقت صدوره؟ وهل هو ملائم اجتماعيًا واقتصاديًا في ظل أوضاع اقتصادية صعبة؟
وأكد أن القانون يتجاوز نطاق سلطة الدولة في تنظيم علاقة العمل، إذ يتيح التدخل في الحياة الخاصة للعامل خارج أوقات العمل، دون إثبات تأثير مباشر على أدائه المهني. كما أشار إلى أن محكمة النقض ومجلس الدولة ألغيا عددًا من قرارات الفصل، ما يعكس وجود قصور تشريعي.
وأضاف أن الأمان الوظيفي أصبح عبئًا إضافيًا على العمال، إلى جانب الأعباء الاقتصادية، متسائلاعن موقع الحماية الاجتماعية في ظل فصل عامل قد يكون العائل الوحيد لأسرته، مُعربًا في الوقت ذاته عن تضامنه الكامل مع مقترحات دار الخدمات، معتبرًا أنها كافية ومتكاملة.
نائب تحدّث عن خلل في فلسفة التشريع… وآخر دعا لمكافحة الاتجار والترويج
النائب محمد أنور السادات، نائب رئيس «المجلس القومي لحقوق الانسان»، أرجع الأزمة إلى ما وصفه بخلل واسع في فلسفة التشريع، حيث تصدر القوانين حسب تعبيره كرد فعل على أحداث معينة دون دراسة كافية للآثار المترتبة عليها. واعتبر أن القانون 73 صدر في سياق حوادث فردية أثارت الرأي العام، لكن دون إجراء نقاش مجتمعي واسع أو دراسة تقييم أثر تشريعي، مؤكدًا أن الحرية الشخصية يجب أن تُصان، طالما أن العامل يؤدي عمله بكفاءة ولا يؤثر سلوكه الخاص على طبيعة عمله.
ولفت إلى أن المجلس القومي لحقوق الإنسان سيكون معنيًا بطرح القانون للنقاش فور إعادة تشكيله رسميًا.
وانتقد النائب باسم كامل ما اعتبره منهجًا بيروقراطيًا يقوم على إصدار القانون أولًا، ثم مناقشة تداعياته لاحقًا. وأوضح أن مجرد وجود «شبهة» قد يؤدي إلى وقف العامل وفصله، ليبدأ رحلة تقاضٍ قد تمتد لأشهر أو سنوات.
ولفت إلى أن مكافحة المخدرات لا تكون عبر إنهاء خدمة العاملين، بل عبر مكافحة الاتجار والترويج، متسائلاعن نسبة الأدوية التي قد تحتوي على مواد تظهر في التحاليل، وإلى عزمه تبني مقترحات دار الخدمات والتقدم بها إلى مجلس النواب. أما النائب عاطف مغاوري فقال إن القانون يعكس نمطًا من التشريع الذي يصدر كرد فعل، دون دراسة أثره الاجتماعي، مؤكدا أنه تقدم بالفعل بمشروع تعديل في الفصل التشريعي السابق، مرفقًا بتوقيعات مطلوبة، وسيعيد طرحه في المجلس الجديد.
وأضاف أن الدور الرقابي للبرلمان يقتضي مراجعة آثار القوانين التي صدرت، وعدم الاكتفاء بإقرارها، مشيرًا إلى أن عددًا من العمال تواصلوا معه بسبب أضرار لحقت بهم جراء تطبيق القانون، ما دفعه إلى حثهم على الضغط على نواب دوائرهم لإعادة مناقشته.
وشهدت الندوة مداخلات موسعة من عدد من القيادات العمالية والخبراء النقابيين، الذين عرضوا تجارب مباشرة مع تداعيات تطبيق القانون رقم 73 لسنة 2021 على أرض الواقع.
وأكد المتحدثون أن النصوص الحالية، بصيغتها العقابية المباشرة، أفضت إلى إنهاء خدمات أعداد من العاملين دون مراعاة لسنوات خدمتهم أو أوضاعهم الأسرية، ودون منحهم فرصة حقيقية للدفاع عن أنفسهم أو الخضوع لتحقيق إداري متكامل يربط بين نتيجة التحليل وأدائهم الوظيفي الفعلي.
ولفت عدد من المشاركين إلى أن قرارات الفصل صدرت في حالات لم يثبت فيها تأثير التعاطي إن وُجد على سير العمل أو كفاءة الأداء، معتبرين أن العقوبة جاءت منفصلة عن معيار الضرر المهني.
كما لفتوا إلى أن طول أمد التقاضي، رغم صدور أحكام في بعض الحالات بإلغاء قرارات الفصل، يترك العامل المفصول بلا دخل لفترات قد تمتد لأشهر أو سنوات، وهو ما يضاعف من كلفة الخطأ التشريعي اجتماعيًا واقتصاديًا.
وتطرق عدد من النقابيين إلى ما وصفوه بغياب التدرج في الجزاء، مؤكدين أن التشريعات العمالية المستقرة تقوم على مبدأ التناسب بين المخالفة والعقوبة، وأن إنهاء الخدمة يجب أن يكون الملاذ الأخير لا الإجراء الأول. وطالبوا بضرورة إدخال تعديلات واضحة تميز بين التعاطي العرضي والإدمان، وبين السلوك الشخصي الذي لا ينعكس على العمل، والحالات التي يثبت فيها تأثير مباشر على السلامة أو الإنتاج.
كما دعوا إلى اعتماد آليات شفافة لإجراء التحاليل، وتحديد مواصفات العينة وضمانات سلامتها، وإتاحة حق التظلم قبل تنفيذ قرار الفصل، مؤكدين أن معالجة ظاهرة التعاطي حال ثبوتها يجب أن تأخذ طابعًا علاجيًا وإصلاحيًا، يتيح للعامل فرصة للعلاج والحفاظ على مصدر رزقه، بدلامن دفعه إلى البطالة بما يحمله ذلك من مخاطر اجتماعية أوسع.
متى صدّق على القانون؟
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي صدق في تموز/يوليو 2021 على القانون رقم 73، بشأن بعض شروط شغل الوظائف أو الاستمرار بها للعاملين في الجهاز الإداري للدولة، والمؤسسات الخاصة ذات النفع العام، والذي بمقتضاه يُعزل من يثبت تعاطيه للمواد المخدرة.
ودخل القانون حيز التنفيذ في يناير/ كانون الثاني 2022 بعدما أصدر رئيس مجلس الوزراء لائحته التنفيذية، التي وضعت ضوابط واضحة تضمن الوصول لنتيجة مؤكدة لحملات الكشف الفجائي عن تعاطي المواد المخدرة التي تجريها الجهات الخاضعة لأحكام القانون للعاملين بها، بمعرفة جهات حكومية مختصة حددها القانون.
وبعد أربعة أشهر من بدء التنفيذ، صرح رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، بأن الهيكل الإداري لجهاز الدولة متضخم و«لا نحتاج أكثر من 30٪ من العدد الحالي»
وفي يناير/ كانون الثاني 2023 قال مدير صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي، عمرو عثمان، إنه جرى فصل ما يقرب من ألف موظف بعد الكشف عليهم والتأكد من تعاطيهم المخدرات. بعد مرور 4 سنوات على دخول القانون حيز التنفيذ، لا يوجد إحصاء رسمي بعدد العاملين الذين تعرضوا بموجبه للفصل من وظائفهم، لكن منظمات مهتمة بشؤون العمال تقدرهم بالآلاف.
