
رأي خاص لـ “بصراحة”: في كل موسم درامي، تتكرّر المعركة نفسها: من هو المسلسل الأول؟
الأول على المنصّة، الأول على الشاشة، الأول في نسب المشاهدة، الأول في التفاعل، الأول في الترند… حتى بات لكل عمل “أوّليته” الخاصة التي يرفعها كراية انتصار.
لكن، مهلاً… أول أين بالضبط؟
كيف يمكن لمسلسل أن يكون الأول على منصة رقمية ويُقدَّم ذلك كأنه انتصار كاسح على جمهور عربي كامل، فيما ملايين آخرين يشاهدون أعمالهم عبر التلفزيون التقليدي أو عبر يوتيوب أو حتى عبر مقاطع متفرقة على وسائل التواصل الاجتماعي؟ أي معيار هذا الذي يُختصر به مزاج شعب كامل؟
الحقيقة أن كلمة “الأول” باتت كلمة فضفاضة إلى حدّ يفقدها معناها.
فالأرقام يمكن أن تُفسَّر بطرق كثيرة، والبروباغندا قادرة على أن تصنع وهماً بالصدارة، تماماً كما يمكنها أن تُهمّش أعمالاً قيّمة لم تحظَ بالحملات الترويجية نفسها.
كم من مسلسلٍ لم يتصدّر أي قائمة، لكنه وصل إلى قلوب الناس؟
وكم من عملٍ ضجّت به المنصّات والأرقام، لكنه مرّ مروراً عابراً في ذاكرة الجمهور؟
المشكلة ليست في الأرقام بحدّ ذاتها، بل في الحرب المحتدمة حولها.
مخرجون، ممثلون، منتجون ومحطات… الجميع يتقاتل لإثبات أنه الأول، وكأن الدراما سباق رياضي لا مساحة إبداعية رحبة.
لكن الحقيقة البسيطة التي يتجاهلها الجميع هي أن ليس كل الأول هو الأفضل، وليس كل الأفضل يصبح أولاً.
في موسمٍ واحد، يمكن أن تتجاور أعمال كثيرة:
عمل يلمع بإخراجه،
آخر يبهر بأداء ممثليه،
وثالث ينجح لأنه حمل رسالة إنسانية صادقة،
ورابع لأنه ببساطة كان ممتعاً وجميلاً ويستحق أن تشاهده العائلة في ليالي رمضان.
فلماذا هذا الصخب حول المراتب؟
لماذا يتباهى البعض بصدارةٍ قد تكون وليدة منصة واحدة أو حملة رقمية محدودة، بينما جمهور العالم العربي موزّع بين شاشاتٍ ومنصّات ووسائل مشاهدة لا يمكن حصرها في رقم واحد؟
ربما حان الوقت لوقف هذه “المسخرة الرقمية”.
أن نترك الأرقام قليلاً جانباً، وأن نعود إلى الجوهر: العمل الجيد.
العمل الذي يترك أثراً.
العمل الذي يحرّك المشاعر.
العمل الذي يثبت أن الدراما ما زالت قادرة على أن تجمع الناس حول قصة جميلة.
أما معركة “من الأول”، فهي في النهاية… معركة صغيرة جداً أمام قيمة الفن الحقيقي.