تتقاطع الثقافات وتتشابك فيها الفرص الاجتماعية والاقتصادية، ويعيش البشر تجارب متنوعة للغربة والهجرة، كلٌّ وفق موقعه وظروفه، بين باحث عن فرصة مستقبل أفضل وباحث عن ملاذ. في هذا الفضاء المعاصر، تصبح الغربة تجربةً مركبة تصطدم فيها الذات بـ”الآخرية”، وعياً بالآخر، ويبرز التفاوت الطبقي والاختلاف الثقافي تحديات يومية تتجاوز الحدود المكانية، لتصبح المدينة المستضيفة مسرحاً لتأمل فلسفي وأخلاقي عميق حول الإنسان ومكانه في هذا العالم. في هذا الإطار، يقدم الكاتب الفرنسي جيروم فيراري روايته الجديدة “نظرية موجزة جداً للجحيم: حكايات ابن البلد والمسافر”، (آكت سود، 2026). الرواية تقدم قراءة معمقة لتجربة الغربة والهجرة، مع تسليط الضوء على التفاوتات الاجتماعية والطبقية، وتجسيد التفاعلات الإنسانية في أبوظبي، المدينة التي أتاحت لفيراري استكشاف الفروق الدقيقة بين المسارات والتجارب المختلفة للأفراد، حيث تصنع البيئة الاجتماعية والثقافية متباينة للحياة.

تتركز أحداث الرواية على شخصيتين أساسيتين تتقاطع حياتهما في المدينة. الأولى أستاذ فلسفة أوروبي يغادر جزيرته الأصلية ليعمل في المدرسة الثانوية الفرنسية، برفقة زوجته وطفله، ليعيش تجربة غربة اختارها بنفسه، مع امتيازات ثقافية واجتماعية، ورغم ذلك، يواجه صعوبات في التأقلم النفسي والاجتماعي في مجتمع متعدد الأبعاد. الثانية هي كافيشا، العاملة المنزلية القادمة من سريلانكا منذ ثلاثين عاماً، التي سخّرت حياتها لرعاية أبناء الآخرين، بينما نشأ ابنها بعيداً عنها متنقلاً بين العائلات لتأمين لقمة العيش. تكشف الرواية من خلال هذه التجارب جداراً غير مرئي من التفاوت الاجتماعي والطبقي، وتظهر أثر الامتياز والاضطرار في تشكيل الحياة اليومية للأفراد، وتسلط الضوء على التناقضات النفسية والمعيشية التي تصاحب الغربة والهجرة.

يظهر أثر الامتياز والاضطرار في تشكيل الحياة اليومية للأفراد

يمتاز أسلوب فيراري، في هذا العمل، بالحدة والدقة الفلسفية، مع سرد مكثف ومتقن يتيح للقارئ مواجهة الشعور بالذنب والاختلال الأخلاقي الناتج عن التفاوتات، ويحفزه إلى مراجعة ضميره تجاه الآخرين. اللغة المكثفة والظلال النفسية العميقة تجعل القراءة تجربة تأملية مستمرة، حيث تتكشف الفوارق بين الحرية والاضطرار، بين الاختيارات والقيود، وبين حياة المغترب الذي اختار غربته وواقع المهاجرة الذي فرضته عليها الظروف، مع إبراز أثر البيئة الاجتماعية والثقافية في تشكيل التجربة الإنسانية.

الرواية حظيت بحضور نقدي مبكر ومهم في الصحافة الفرنسية، التي أشارت إلى براعة فيراري في المزج بين السرد المكثف والتأمل الفلسفي. ووصفت المراجعات النص بأنه “رواية لاذعة وبارعة عن الشعور بالذنب والاختلال في العلاقات الإنسانية”، كما أوضحت أن الرواية تربط بين تجربة الأسرة الأوروبية وحياة العاملات المنزليات في أبوظبي، وتكشف التفاوتات الاجتماعية والثقافية بدقة، مع إبراز أثر السياق الاقتصادي والاجتماعي على حياة الشخصيات.

نظرية موجزة جداً للجحيم: حكايات ابن البلد والمسافر” التي تشكل الجزء الثاني من ثلاثية جيروم فيراري المُسخَّرة لاستكشاف الآخرية والهويات المتنوعة، والتي تمثل نموذجاً للأدب الفرنسي المعاصر، تكشف للقارئ التباينات الإنسانية والاجتماعية في مدن تتحرك فيها حياة المغترب طوعاً، بحثاً عن حياة مرفهة، والمهاجر قسراً، بحثاً عن أيام عيش، جنباً إلى جنب، بين الحرية والاضطرار، بين الاختيارات والقيود اليومية، وبين الذات و”الآخرية”، الوعي الأخلاقي بالآخر الذي يتبناه النص الروائي.