Article Information
عندما عبرت الحافلة الأولى من معبر رفح المصري نحو القطاع، لم يكن الركاب مجرد مسافرين عائدين، بل كانوا “ناجين” قرروا العودة إلى مسرح الفاجعة.
من بين هؤلاء، كانت عائلة أماني وطلال طحلة، الذين حملوا معهم حقيبة العودة التي أهداها لهم الجانب المصري، ولكن العودة لا يمكن أن تختزل في حقيبة تحتوي على مستلزمات بسيطة، بل كانت محملة بأسئلة ثقيلة: كيف نعود لبيت لم يعد موجوداً؟ وكيف نقنع أطفالاً ذاقوا طعم “الحياة الطبيعية” في مصر بأن الخيمة فوق الأنقاض هي “الوطن”؟

صدر الصورة، EPA/Shutterstock
التعليق على الصورة، خيمة فوق الركام في مخيم جباليا
الأم أماني – “صدمة مدينة الأشباح”
أماني طحلة، تلك السيدة التي غادرت رفح في مايو/آيار 2024. حينها كانت رفح “مدينة” على حد وصفها بشوارعها المستوية، ومستشفياتها التي كانت تصارع لتبقى في الخدمة، وحي “الجنينة” الذي كانت تسكنه ولم تنزح عنه وكان يضج بالحياة رغم الحرب، تقول أماني إنها تركت كل هذا وغادرت حرصاً على حياة أولادها السبعة، حتى لا يأتي يوم ويتحولوا فيه إلى رقم في عداد الموتى والجرحى الذي تصدره وزارة الصحة بالقطاع يومياً منذ نشوب الحرب.
وتضيف: “صحيح أنا نجيت بأولادي، لكن كل ما كنت أشوف أولاد الناس بيموتوا من الجوع في فترة المجاعة كنت أشعر بنار مولعة في قلبي، لم أكن أجرؤ حتى على تخيل أن أولادي يوما ما يلقون نفس المصير”.
وفي مصر، عاشت العائلة ما تسميها أماني بـ “الرفاهية القسرية”. تصف أماني تلك الأيام بامتنان ممزوج بمرارة: “مصر احتضنتني واحترمتني، والمصريين كانوا يقولون لي هذه بلدك الثانية، كان كل شيء متوفراً.. السرير الدافئ، والمياه العذبة بضغطة زر، والكهرباء التي لا تنقطع، والحمام النظيف الذي يمثل الخصوصية والكرامة الإنسانية. لكن، وسط كل هذا المتوفر، كان هناك “مفقود” واحد هو الذي حسم قرار العودة: “الراحة النفسية”. تقول أماني بلهجة غزاوية قاطعة: “والله لو كنت في قصور برا، بس القلب مش مبسوط.. الأيام اللي قعدتها في غزة الحين، بحسه قد كل شهور مصر”.
التعليق على الصورة، “والله لو كنت في قصور برا، بس القلب مش مبسوط.. الأيام اللي قعدتها في غزة الحين، بحسه قد كل شهور مصر”
لحظة الدخول من المعبر كانت هي اللحظة التي “تشققت” فيها الصورة الذهنية المرسومة عبر شاشات التلفاز. تصف أماني تلك اللحظة ببكاء مكتوم: “طول ما أنا راكبة في الباص وأنا بعيط على الشوفات اللي شفتها.. فش بيوت، فش شوارع، رفح صارت دمار دمار”. الصدمة لم تكن في غياب الحجر فقط، بل في تحول المدينة إلى “أشباح”. تذكر أماني بذهول مشهد “مقبرة معن”؛ حيث نُبشت القبور وتناثرت عظام الموتى الذين استقروا في باطن الأرض لسنين، لتتساءل بقهر: “الميت إيش عمل؟”
هذا المشهد الجنائزي وهذه الرفات المتناثرة كانا أول من استقبل أماني وأطفالها بعد عبور معبر رفح من الجانب المصري ودخول غزة، الأطفال الذين لم يتوقعوا أن “الوطن” الذي حدثتهم عنه أمهم قد استُبدل بركام ممتد. فقبل الحرب بأسبوع واحد كانت أماني تضع اللمسات الأخيرة على بيتها الجديد، وتركب النوافذ، وتجهز غرف أطفالها، وجدت نفسها تقف أمام “صفر” كبير. بيتها الذي لم تسكنه سوى لأربعة أشهر قبل الحرب، تلاشى، ومعه تلاشت كل أماني “الاستقرار” التي وعدت بها صغارها على حد تعبيرها.
وكان معبر رفح عاد للعمل في كلا الاتجاهين يوم الإثنين 2 فبراير/شباط 2026، تحت إشراف دولي وإجراءات أمنية مشددة، بعد قرابة عامين من إغلاقه.
الطفل ركان – “بدي تختي، وين ألعابي اللي كنت مخبيها؟”
التعليق على الصورة، “وين داري؟ ليش انقصفت؟ بدي تختي، وينها ألعابي اللي كنت مخبيها؟ بدي فوت على الحمام”.
في حضن أماني يرقد صغيرها ركان ويستكين. ركان الذي اعتاد في مصر على حمامه الخاص وغرفته المريحة، وجد نفسه “مهجراً” فوق سطح مدرسة. صرخة ركان لم تكن مجرد بكاء، بل كانت احتجاجاً على انعدام الخصوصية وامتهان كرامته، يرفض الطفل دخول الحمام المشترك في المدرسة، حمام “على الرمل”، بلا أبواب تستر أو مياه تنساب.
تحكي أماني بعجز: منذ أن عدنا لا يدخل ركان للحمام إلا بالصراخ، يقول لي صارخاً لا أريد غزة، فش فيها أكل، فش فيها بيوت، تأقلم ركان مع الواقع الجديد يبدو مستحيلاً؛ فهو يرى أن عودته لغزة هي “عقاب” وليس “انتماء”. يحاول الهرب نحو البوابة، ينادي على أقاربه الذين مازالوا في مصر كي يأتوا ويصطحبوه، ثم يستسلم لنوبة بكاء طويلة.
وبسؤال الأم عن وضع الحمام الذي يجعل ركان ينهار إلى هذا الحد، أجابت بخجل: كيف لي أن أصفه! تخيلوا أنتم حمام فوق الرمل تستخدمه أكثر من أسرة كيف يمكن أن يكون وضعه؟ كيف يمكن أن تبدو نظافته؟ كيف يمكن أن تكون رائحته؟
في البداية رفض الطفل تماماً استخدام الحمام، وحينما أخذته في زيارة لعائلتي في خيمتهم رفض أيضاً استخدام الحمام المتوفر لديهم، ولكن مع الوقت اضطر لاستخدامه لكنه لم يتأقلم أبداً، مازال يرفض ويبكي بحرقة ويعلن احتجاجه في كل مرة، ويسألني لماذا عدنا؟ فأجيبه: “لأن أبوك هون، بدك تشوف أبوك”.
ومضت الأم في محاولة لشرح موقف ابنها قائلة: “ابني لم يعش هذه الظروف من قبل، حتى قبل أن نغادر غزة كنا نعيش في منزل بمفردنا ونستخدم حمام بمفردنا، وكذلك الوضع في مصر، لم يعرف أبداً حياة النزوح التي فُرضت عليه الآن.
وتوضح أماني أن “الحمام” ليس هو التفصيلة الوحيدة التي يقف أمامها الطفل عاجزاً عن التأقلم معها، فبمجرد أن اصطحبته للمدرسة التي قررت أن تنصب خيمة فوق سطحها وتنزح إليها فاجئها الصغير بسؤال:” هادي مدرسة مش دار، ليش بدنا نسكن فيها؟” وعاد ركان ليعلن احتجاجه من جديد بالصراخ ورفض الصعود إلى المدرسة، فما كان من النازحين إلا أن اجتمعوا حوله وحاولوا تهدئته وإقناعه بالصعود، وفور صعوده بدأ يتساءل:
التعليق على الصورة، صورة للحمام الذي تستخدمه العائلة
“وين داري؟ ليش انقصفت؟ بدي تختي، وينها ألعابي اللي كنت مخبيها؟ بدي فوت على الحمام”.
هنا انهارت مقاومة أماني وخنقتها العبرات وهي تقول: والله شعوري كأم بيقطع القلب وأنا غير قادرة على توفير أبسط مقومات الحياة لطفلي، وغير قادرة على إجابة أسئلته البريئة والمشروعة، معك حق إذا كان أنا أمه وغير قادرة على الاستيعاب، طول الطريق من المعبر لمدرسة النزوح وأنا أبكي فقط، الدمار غير طبيعي، المعالم كلها ممسوحة، هذه ليست غزة.
وبسؤالها عن سبب العودة قالت أماني: رجعت لأن الغربة مرة، ولأننا تركنا زوجي هنا بمفرده في غزة، من المستحيل أن نمضي العمر وعائلتنا ممزقة بهذا الشكل، كان علينا أن نعود ويجتمع شملنا، لكننا لم تعد لغزة التي نعرفها.
الطفلة رهف – “بين أهلي وناسي”
التعليق على الصورة، “شميت ريحة بلدي فرحت، بس لما شفت البيوت على الأرض زعلت”
رهف شقيقة ركان وابنة أماني ذات الأربعة عشر عاماً، تدرك قيمة “البيت الجديد” الذي ضاع، وتدرك أن غزة التي عادت إليها ليست غزة التي غادرتها. تصف رهف شعورها المتناقض بعبارة بسيطة: “شميت ريحة بلدي فرحت، بس لما شفت البيوت على الأرض زعلت”.
التأقلم عند رهف ليس عصياً مثل ركان، لكنه يتخذ شكلاً من “التسليم المر” هي الآن كما تقول تطبخ على النار، تنام على الأرض وتلتحف السماء، وتنتظر دورها في “طابور المياه” المنهك. ورغم حبها لوالدها ورغبتها في أن تكون بجانبه، إلا أنها لا تخفي رغبتها في العودة لمصر، تضيف ببراءة :”لو قالوا لي اطلعي أنتِ وبابا وكل اللي بتحبيهم، بطلع.. خايفة عليهم من القصف، هنا مفيش تعليم ولا مأوى زي الناس.” رهف ترفض تسمية الخيمة بيتاً، وتصر على أن ما يعيشونه هو “تأقلم قسري” لعدم وجود بديل، لا “قناعة” بالواقع المرير.
وبسؤالها مباشرة هل ندمت على العودة لغزة، أجابت مباشرة أيضاً: “لا مندمتش” لأني بين أهلي وناسي، بين بابا وماما.
وبحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة وتقارير المنظمات الإنسانية، منذ إعادة فتح معبر رفح البري في أوائل فبراير/شباط الماضي، فإن عدد الفلسطينيين الذين تمكنوا من العودة إلى قطاع غزة عبر المعبر حتى منتصف فبراير 2026 يبلغ حوالي 804 شخصاً، وقد وصلوا إلى القطاع بدعم من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتوفير الحماية والمساعدة بعد عبورهم من الجانب المصري.
الأب طلال – “بين العجز وحب الأسرة”
التعليق على الصورة، “أنا ما بين صح وخطأ، ما حدا بيتمنى لأولاده يعيشوا هول القصف والدمار، بس إمكانياتي الصعبة ألزمتني”
الأب طلال يوسف طحلة، يمثل الشخصية الأكثر تعقيداً في هذه الأسرة. هو المحرك لقرار العودة، وهو الذي “يحمل وزره” الآن. يعترف طلال بأنه اتخذ هذا القراره مضطراً؛ فالإمكانيات المادية التي تتطلبها أسرته في الغربة كانت أعلى من سقفه بكثير، هو لم يطلب من أسرته العودة حباً في الوطن فقط، بل لأنه لم يعد يملك ثمن البقاء بعيداً عنه.
يعيش طلال صراعاً نفسياً يسميه “تجاذب القرار”، يقول: “أنا ما بين صح وخطأ، ما حدا بيتمنى لأولاده يعيشوا هول القصف والدمار، بس إمكانياتي الصعبة ألزمتني”.
التأقلم بالنسبة لطلال هو “إعادة تعريف الكرامة” فهو يرى أن غزة هي الروح، وتراب غزة غالي، وأن يعيش عليه أطفاله، معه، أمام عينه، حتى لو في “طابور التكية”، هو في نظره “أسلم قرار”. يحاول طلال ممارسة دور “المُصبر”، يقنع أطفاله بأن غزة ستعمر، وبأنهم كجيل كتب عليهم التعب لتعيش الأجيال القادمة. لكن نبرة صوته وهو يتحدث عن “شقى العمر” الذي صار ركاماً، تفضح حجم الألم الذي يحاول مداراته.
تقول أماني أن عائلتها تأقلمت مع ما وصفتها بـ “العيشة المنعدمة” عبر عدة مسارات منها قبول فكرة ركوب “الكارة” بدلاً من السيارات، والطبخ على الحطب، واستبدال الحمام المنزلي بحفرة في الرمل.
ومع كل ذلك لدى أماني إصرار لا يفتر على الموت في غزة، تتذكر كيف حينما أصابتها “الصفرا” وهي في مصر كانت تردد: “روحيني يما على غزة أموت بين أهلي.. مصر لأهلها وغزة لإلي”.
وبحسب أماني أيضاً يبقى الاندماج في مجتمع النازحين الذي انضموا إليه مؤخراً، والحب والحنان الذي يتلقونه من جيرانهم في المدرسة هو “الوقود” الذي يجعلهم يضحكون رغم كل هذه الخيبات.
“راحة نفسية فوق الركام”

أما الأب طلال فيقول أنه تتزاحم بداخله مشاعر مختلفة، “ندماً صامتاً” تجاه الأطفال، و”فخراً معلناً” تجاه الوطن. فبينما يصرخ ركان طالباً “حماماً نظيفاً”، تبتسم أماني لأنها “شمت ريحة بلادها”. هذا التضاد هو الذي يشكل اليوم وجه غزة.
تتذكر أماني “حقيبة العودة” المصرية؛ الورود والوجبات والأمل الذي قُدم لهم على المعبر. ترى فيها “تقديراً” لقرارهم الصعب. وتعتبر أن “الأشباح” التي سكنت شوارع رفح هي ضريبة الوجود. بالنسبة لأماني وطلال، التأقلم ليس في إصلاح ما تدمر، بل في “قبول” العيش وسط الدمار كفعل مقاومة يومي.
تنتهي قصة عائلة طحلة، ولا تنتهي معاناتهم. هم الآن فوق سطح مدرسة، تحت سماء لا تمنحهم إلا القلق ومنخفضات جوية قارسة، وبين جدران خيمة لا تمنحهم إلا الستر الهش. لكنهم، وبشكل يثير العجب، وجدوا “راحتهم النفسية” المفقودة كما يقولون
