على امتداد أيام الشهر الفضيل، يترسّخ حضور نجوم الدراما في العالم العربي، ليس عبر أداء الأدوار فحسب، بل عبر قدرتهم على أسر وجدان المشاهدين، وجذبهم إلى حرارة الماراثون الرمضاني المتجدد الذي تشتد فيه المنافسة، وتعلو قيمة الحكاية، ليتحول كل ظهور إلى اختبار حقيقي لقوة الحضور وصدق الأداء وثبات الموهبة، فيما لا يقاس الموسم الرمضاني بعدد الأعمال المعروضة، بل بقدر ما يثيره من شغف وترقب ومتابعة يومية تتصاعد حدتها مع كل حلقة.
في هذه المساحة، تطل «الإمارات اليوم» برصد لأبرز الأعمال الرمضانية، لتتوقف عند أهم ما تقدمه الدراما المحلية والخليجية والعربية من تجارب لافتة، مسلّطة الضوء على الأدوار التي استأثرت بانتباه الجمهور، بعمق أدائها وخصوصية حضورها، وقدرة ممثليها على تجسيد كل شخصية بصدق واقتدار.
يبدو أن الفنان السوري عباس النوري اختار الانغماس خلال في هذا الموسم الرمضاني بمغامرة فنية شائكة، معلناً تمرداً صريحاً وهادئاً على بعض القوالب القديمة والنمطية التي سجنته لفترة طويلة في صورة «وجيه الحارة» أو «كبير العائلة» التقليدي، ليقدم على خطوة جادة شبيهة بـ«إعادة التموضع»، لا يكتفي من خلالها بالحضور لمجرد الوجود وتسجيل اسمه في ماراثون الدراما الرمضانية الضخم هذا العام، ليمارس عملية تحليل ونظر معمق في أدواته التمثيلية، متنقلاً بسلاسة بين قاع الخذلان والانكسار الإنساني في الدراما الاجتماعية، وقمة الجبروت الإجرامي في عالم الإثارة، ليقدم برهاناً جديداً على أن الموهبة الفنية الحقيقية لا تعترف بالزمن، ولا تهادن الذاكرة، بل تعيد صياغتها باستمرار.
الصمت لغة
يتكرس هذا التمرد في أوضح صوره عبر شخصية (طلحت الجمل) في مسلسل «مطبخ المدينة»، إذ يجدد النوري شراكته الثالثة مع المخرجة رشا شربتجي، بعد مشاركات ناجحة عدة في أجزاء «حارة القبة» و«مربى العز»، لكنه يبتعد هذه المرة عن صخب الأزقة والحارات القديمة، ليغوص في عمق النفس البشرية المعاصرة، مفككاً صورة وأساطير «الأب الحارس»، من أجل طرح نموذج صادم للأب الذي يتقن فن «توريط» من حوله بصمته أكثر من كلامه، فيما يبرز حضوره وتمكنه الأدائي في قدرته على تحويل «المطبخ» من فضاء للرزق والمودة العائلية المعهودة، إلى فضاء للعزلة الاختيارية.
وفي الوقت الذي يبدأ النجم السوري، شخصية (طلحت الجمل) بملامح الأب التقليدي الذي يرى في «مطبخه» قلعته «المحصنة» ومركز نفوذه و«سيادته»، فإنه يمضي في هدوء وسلاسة على امتداد حلقات العمل وتطور أحداثه، نحو معاينة «السقوط التدريجي» لهذه الشخصية الواثقة، عبر نظراته التي بدأت حادة وواثقة، وتحولت مع مرور الوقت إلى نظرات تائهة تلاحق أشباح الماضي، في الوقت الذي أتقن النوري في العمل، تجسيد تداعيات «هاجس ريما» النفسية، فهو لا يبحث عن ابنته المفقودة في الشوارع فحسب، بل يبحث عنها بين تفاصيل مطبخه العامر بالذكريات، ونكهة الطعام، وفي وجوه أبنائه الذين يراهم غرباء، وصولاً إلى مأزق الحيرة التي أظهرها تجاه «شهادة الوفاة المزورة» التي واجهه بها «شجاع»، والتي كشفت عن صراع داخلي مؤثر، منح حضوره وزناً وعمقاً لا يمتلكه إلا «الكبار».
رهان التجديد
على النقيض تماماً من انكسار «طلحت» ورائحة طعامه المشبعة بالحنين والألم، يخلع عباس النوري عباءة الدراما الاجتماعية التقليدية ليدخل معترك «الأكشن» والغموض من بابه العريض في مسلسل «الضربة»، حيث تكمن قيمة وأهمية هذا الدور الذي يجسد فيه شخصية «العقل المدبر» لمافيا معاصرة، في كونها «مغامرة عائلية» بامتياز، يقف فيها الأب أمام عدسة ابنه المخرج الشاب ميار النوري، لا لمجرد تغيير الملابس أو الديكور، بل لتغيير «جلده الفني»، حيث يطل النوري بمظهر عصري ونظرات واثقة وثاقبة، ليدير لعبة الموت بذكاء وبراعة لاعب شطرنج قديم، متخلياً عن دور الضحية لمصلحة دور الجلاد الأنيق الذي لا يوسخ يديه، ما منح العمل ثقلاً درامياً وازن ببراعة مع إيقاع الأكشن السريع، كاشفاً على التوالي، عن مرونة وقدرة رمز «كلاسيكي» من رواد الدراما، الاندماج في إيقاع بصري سريع وحديث، والأهم مخاطبة الجيل الجديد بلغته البصرية الخاصة.
الفنان الكبير لا يشيخ
أثبت النجم السوري عباس النوري عبر دوريه المتباينين في رمضان هذا العام، أن الفنان الكبير لا يشيخ، بل يتجدد حين تدار موهبته بذكاء وجرأة، فبين «نار» المطبخ التي تحرق أصابعه في الدراما الاجتماعية، و«صقيع» المافيا الذي يغلف قلبه في «الأكشن»، يرسخ النوري مجدداً مكانته الأثيرة بين كبار لاعبي الساحة الدرامية العربية، الذي مازال قادراً على الإدهاش وكسر التوقعات، ومازال يملك الكثير لقوله.
• النجم السوري يتنقل بسلاسة بين قاع الخذلان في الدراما الاجتماعية، وقمة الجبروت الإجرامي في عالم الإثارة.
• يبرز حضور النوري في قدرته على تحويل «المطبخ» من فضاء للرزق والمودة العائلية، إلى فضاء للعزلة.
![]()
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
Share
فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App
