قلّما نجح فنان معاصر في إعادة صياغة سرديات تاريخ الفن كما فعل الأميركي كيري جيمس مارشال، الذي جعل الشخصيات السوداء محوراً ثابتاً في لوحاته الكبرى ومتعدّدة الطبقات، مستعيداً سرداً تاريخياً غُيّب طويلاً من الذاكرة البصرية الغربية. منذ ثمانينيات القرن العشرين، انخرط مارشال في مشروع تشكيلي نقدي يسعى إلى كشف الثغرات التي تركتها تقاليد الرسم التاريخي الغربي في تمثيل التجربة الأفرو-أميركية، معتمداً على سرديات بصريّة كثيفة، وألوان قوية، وبنية معقدة تسمح بتداخل التاريخ الشخصي والاجتماعي والثقافي. في لوحاته، يصبح الفضاء البصري منصة للحوار بين الماضي والحاضر، وبين الثقافة الشعبية والتاريخ السياسي والحياة اليومية للأميركيين الأفارقة.
في هذا الإطار، يقدّم متحف كونستهاوس في زيورخ معرضه الاستعادي الشامل معرض “قصص التاريخ”، “The Histories”، الذي يستمر حتى 16 أغسطس/ آب 2026. ويشمل حوالى 70 لوحة، ويصل عرض بعضها إلى سبعة أمتار. ويقام المعرض في مبنى “تشيبرفيلد” بالمتحف، ضمن تعاون دولي مع الأكاديمية الملكية للفنون في لندن ومتحف الفن الحديث في باريس، بإشراف القيّم الفني مارك غودفري ومشاركة القيّمة السويسرية كاترين هوغ. يُعد المعرض أكبر عرض لأعمال مارشال خارج الولايات المتحدة، وأول استعراض واسع لمسيرته في الفضاء الناطق بالألمانية، إذ يجمع بين أبرز أعماله على مدى أربعة عقود، إضافةً إلى لوحات جديدة أنجزت خصيصاً لهذه المناسبة.
مارشال، الذي ولد عام 1955 في برمنغهام بولاية ألاباما ويقيم في شيكاغو، رسّخ مكانته بوصفه أحد أكثر الرسامين تأثيراً في الفن المعاصر من خلال مقاربة تجمع بين النقد التاريخي والإبداع البصري. منذ بداياته، ركّز مارشال على إعادة الاعتبار للشخصيات السوداء في اللوحة الكبرى، إذ يدمج بين إشارات إلى تاريخ الفن الأوروبي وبين عناصر مأخوذة من الثقافة الشعبية والحياة اليومية للأميركيين الأفارقة والذاكرة الشخصية، ما يخلق فضاءات تصويرية مركّبة تنبض بالسرد التاريخي والاجتماعي.
ركّز مارشال على إعادة الاعتبار للشخصيات السوداء في اللوحة الكبرى
يضم المعرض أعمالاً تمثل محطات رئيسية في مسيرة الفنان، منها لوحة “أسلوب دي”(1993)، المحفوظة في متحف مقاطعة لوس أنجليس للفنون، والتي تمزج بين التجريد الهندسي الحداثي وحضور الشخصيات السوداء في حوار بصري مباشر مع لغة الحداثة الأوروبية، كما تعرض لوحة “أوقات ترفيهية” (1997) مشهداً ترفيهياً لشخصيات سوداء في فضاء طبيعي، تحيط بها إشارات ثقافية وسياسية متشابكة، ما يحوّل المشهد اليومي إلى قراءة مركّبة للتاريخ الاجتماعي والثقافي. أما لوحة “بدون عنوان، المرسم” (2014)، المحفوظة في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، فتقدم رؤية تأملية للمرسم نفسه، إذ يظهر الفنان ضمن فضاء عمله، مستكشفاً العلاقة بين الفنان واللوحة والتمثيل الفني.
وتتميز لوحات مارشال بالألوان المكثفة، والمهارة التقنية العالية، والدقة في التكوين، كما أنها تضمّ شبكة واسعة من الإشارات إلى تاريخ الفن، ويؤكد مارشال نفسه أهمية اللون في تجربته قائلاً: “أحاول أن أجعل اللون الأسود الذي أستخدمه معقّداً مثل أي لون آخر في لوحة الألوان”.
ويجسد هذا المبدأ الفني رؤيته الجمالية وإصراره على إعادة الاعتبار للون الأسود وللجسد الأسود داخل تاريخ الرسم، مع إعادة كتابة سرديات كانت غائبة أو مهمّشة لسنوات طويلة. وتنتقل أعماله بين الواقع والتاريخ والخيال، مقدمة تجربة بصرية متكاملة تجعل من اللوحة الكبرى مساحة لتفسير الواقع الاجتماعي والثقافي، وتعيد طرح أسئلة حول التمثيل، السلطة، الانتماء، والمسؤولية التاريخية.
