خمسون عاماً من الفن تستوطن “مايفير”
في أمسية لندنية نادرة الضياء، اجتمع رائد الحداثة العراقية ضياء العزاوي مع الإعلامي عثمان العمير في “دوفر ستريت”، ليفتحا نافذة على تاريخ من الفن والأركيولوجيا، في معرض يختزل نصف قرن من الإبداع والمنفى
إيلاف من لندن: نادراً ما تستسلم لندن لشمسها بهذا السخاء، لكن في ذلك المساء المتأخر، استقر الضوء بنعومة فوق منطقة “مايفير”، مرتداً عن الواجهات الشاحبة لشارع “دوڤر ستريت”. كان سطوعاً غير متوقع جعل المدينة تبدو، للحظة عابرة، وكأنها من مدن البحر المتوسط.

ريبيكا ريوفريو مع ضياء العزاوي وعثمان العمير في قلب الغاليري.
رفقة الذاكرة
في هذا المشهد، وجدت نفسي أسير مع الصديق العزيز، الصحافي عثمان العمير؛ الرجل الذي تمتد ذاكرته للناس والقصص عبر عقود وقارات. “دوفر ستريت” هو كون صغير بحد ذاته في لندن، موطن لبعض المعارض الأكثر إثارة، حيث تفتح الأبواب الهادئة على عوالم كاملة من الخيال. كنا هناك من أجل معرض خاص بعنوان “رحلة عبر الزمن” (Excursion Across Time)، وهو نظرة تاريخية شاملة لأعمال الفنان العراقي الاستثنائي ضياء العزاوي في “غاليري ريتشارد سالتون”.

اللقاء مع “المعلم”
عثمان العمير يعرف العزاوي منذ أكثر من ثلاثين عاماً. قال لي ببساطة من يقدم صديقاً قديماً لا فناناً عالمياً: “تعالي”. وهكذا فعل. العزاوي، الذي يخطو في ثمانينياته، يحمل حضوراً يتحدى الزمن. عيناه لا تزالان متيقظتين، وصوته ثابتاً، وحضوره يعكس حياة قضاها في مراقبة العالم بعين العالم والمبدع. قبل أن يصبح رائداً للحداثة العراقية، عمل العزاوي كخبير آثار وأمين متحف، وهي خلفية تركت أثراً عميقاً في لغته الفنية؛ فعمله ليس مجرد رسم، بل هو “أركيولوجيا الذاكرة”.

ضياء العزاوي وعثمان العمير في حديث جانبي خلال المعرض.
بيان الرؤية الجديدة
لم يكن العزاوي مجرد رسام، بل فناناً متعدد الأدوات؛ نحاتاً، ومصمماً، وطباعاً. استمد لغته البصرية من التراث العربي والفلكلور، محولاً إياها إلى أعمال معاصرة. في عام 1968، كتب بيانه الشهير “نحو رؤية جديدة”، رداً على انهيار القومية السياسية، ليطلق حركة ثقافية أدت إلى تأسيس مهرجان الواسطي (1972) واتحاد الفنانين العرب (1973). وعندما استقر في لندن عام 1976، لم يغادر منطقته روحياً، بل حملها معه في كتبه الفنية التي تجاوزت المئة، مستلهماً من الأدب العربي والشعر والخط.

تراجيديا اللون والمنفى
التاريخ لم يكن رحيماً دائماً؛ فالحروب والعقوبات التي دمرت العراق شكلت بعداً آخر في أعماله. تعكس سلسلته “بلاد الظلام” التي بدأها عام 1991 العنف والفقد. أما لوحته الملحمية “مجزرة صبرا وشاتيلا” (1982-1983)، المستقرة الآن في “تيت مودرن”، فتقف كواحد من أقوى الردود الفنية على المأساة اللبنانية. ورغم هذا الثقل السياسي، لم يفقد فن العزاوي جوهره الشاعري؛ فخلفيات لوحاته تتوهج بالقرمزي والكوبالت والذهب، بينما تطفو شظايا الخط العربي كأصداء من مخطوطات قديمة.
أمسية وحوار
بعد المعرض، خرجت مع عثمان العمير إلى ليل لندن البارد، وتوجهنا إلى “حانة” قريبة. هناك، وسط أجواء تسمح للأحاديث بالامتداد حتى الصباح، تحدثنا عن الفن، الذاكرة، والتاريخ، وعن تلك الطريقة المذهلة التي ينجح بها بعض الأشخاص في حمل حضارات كاملة داخل أعمالهم. انتهت الأمسية، كما تنتهي أجمل الأمسيات، بصحبة طيبة، وحوار فكري، ورضا هادئ بلقاء عقل لا يزال يسافر – حرفياً – عبر الزمن.

ريبيكا ريوفريو، رئيسة الجمعية البرلمانية للفنون.
* أعدت إيلاف هذا التقرير عن مجلة “Parliamentary “Society”: الأصل
هذا المقال يحتوي على 447 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة
