كاتب ومحلل فلسطيني.

    Published On 11/3/202611/3/2026

    انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

    share2

    يخوض حزب الله اللبناني حربا قاسية مع الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية المحتلة بالاشتباك المباشر مع القوات الإسرائيلية التي تحاول التقدم، وعبر الحدود الشمالية لفلسطين، مستخدما صواريخ دقيقة ومسيرات هجومية وصلت إلى مدن نهاريا، وعكا، وحيفا، وصولا إلى تل أبيب، ومنطقة بيت شيمش على بعد نحو 170 كيلومترا من الحدود اللبنانية.

    هذا التطور؛ في مديات الصواريخ وتنوع الأهداف، خلال أسبوع واحد فقط من المواجهة التي بدأت فجر الثاني من مارس/آذار الجاري، زاد قلق المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي أبلغت بنيامين نتنياهو مؤخرا- حسب المصادر العبرية- خشيتها من اعتزام حزب الله استهداف منشآت مهمة، وتصعيد القتال.

    حزب الله المفاجأة

    توقعت إسرائيل وفقا لعديد من القراءات والتصريحات الرسمية؛ أن حزب الله فقد عموده الفقري، وتهشمت بنيته التنظيمية، ودخل نفق اللاعودة، عقب اغتيال إسرائيل أمينه العام حسن نصر الله، وعددا كبيرا من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، ما اعتبر تجريفا لنخبة الحزب التاريخية، أثناء معركة الحزب لإسناد قطاع غزة في معركة طوفان الأقصى.

    هذا، علاوة على استمرار القصف الإسرائيلي وعمليات الاغتيال لعناصر الحزب وقياداته الميدانية حتى بعد التوقيع على وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بضمانة أمريكية-فرنسية، حيث لاذ الحزب بالصمت، وآثر عدم الرد على تلك الاعتداءات والانتهاكات العديدة التي أودت بحياة العشرات، بخلاف الجرحى.

    ذلك الانطباع لدى الاحتلال الإسرائيلي لم يدم طويلا؛ فأداء الحزب القتالي، خلال العشرة أيام الماضية، شكل مفاجأة لعدة أسباب منها:

    أولا: قدرة حزب الله على الانتشار جنوب الليطاني، وإيقاعه خسائر بشرية ومادية في القوات الإسرائيلية المتقدمة على الحافة الأمامية مع فلسطين، في وقت يُفترض فيه أن منطقة جنوب الليطاني قد انكشفت أمنيا أمام الجيش اللبناني بدعم أمريكي-فرنسي تحت عنوان: نزع السلاح، ومنع عناصر الحزب من التموضع جغرافيا في الجنوب، بالتوازي مع استمرار القصف الإسرائيلي كافة النقاط المشتبه بها في شمال الأراضي اللبنانية وجنوبها منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تاريخ اتفاق وقف إطلاق النار.
    ثانيا: إفشال الحزب عملية إنزال جوي، ليلة السبت الماضي، بالقرب من بلدة النبي شيت في البقاع، ما اضطر قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى الانسحاب تحت غطاء ناري كثيف، شمل نحو 40 غارة جوية وأحزمة نارية، في إشارة إلى ضراوة الاشتباكات وجهوزية مقاتلي الحزب، وانتشارهم في الأماكن المتوقعة.
    ثالثا: إنذار حزب الله كافة المستوطنات شمال فلسطين بعمق خمسة كيلومترات بإخلائها من سكانها، إضافة إلى مدينة نهاريا الواقعة على الساحل وتبعد 10 كيلومترات من الحدود اللبنانية الجنوبية، ويبلغ عدد سكانها نحو 60 ألف مستوطن، في محاولة من الحزب لإعادة رسم معادلات متبادلة مبنية على التوازن والمناظرة، كما كان يقول حسن نصر الله؛ تل أبيب مقابل بيروت، إضافة إلى التناظر في الأهداف العسكرية والمدنية إلى حد ما، مع فارق القوة العسكرية.
    رابعا: تكثيف حزب الله ضرباته الصاروخية تصاعديا، على شمال فلسطين، وعلى الخط الساحلي من مدينة نهاريا، إلى مدينة تل أبيب وسط البلاد، مرورا بعكا، ومدينة حيفا الإستراتيجية التي تحتضن أكبر ميناء للتصدير والاستيراد، ويعد قاعدة للبحرية الإسرائيلية، ويقدم خدمات لوجيستية للبحرية الأمريكية، وفي محيطه يقع أكبر مجمع تكرير نفط وبتروكيماويات، وصناعات عسكرية وتكنولوجية مهمة، ومحطات لتوليد الكهرباء.

    تشير تلك المعطيات إلى أن حزب الله نجح في إعادة ترميم هياكله التنظيمية ومراكز القيادة والسيطرة، ولا يزال يمتلك إمكانات ووسائط قتالية فاجأت الاحتلال الإسرائيلي، بحسب مصادر عبرية متعددة، ما ينذر بحرب استنزاف طويلة يخشاها الصهاينة.

    وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن مصدر إسرائيلي مطلع؛ أن حزب الله يستعد لحملة طويلة الأمد ضد إسرائيل.

    الحرب الأخيرة:

    لا خيارات أمام حزب الله، بعد أن رفعت الحكومة اللبنانية الغطاء السياسي عنه، وجرّمت عناصره في المقاومة؛ فإما أن يقبل بنزع سلاحه طواعية وينتهي كحركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي يرفض الانسحاب ووقف العدوان على لبنان، وإما أن يقاتل لينتصر أو ليندثر.

    لذلك يدرك حزب الله أن هذه معركته الأخيرة، معركة وجود للبقاء السياسي في المعادلة اللبنانية ارتباطا بمعادلات الإقليم الذي يشهد سيولة سياسية وأمنية كبيرة؛ بسبب السياسيات الإسرائيلية الرامية لإعادة رسم الشرق الأوسط، وقيام إسرائيل الكبرى، كما صرح بذلك بنيامين نتنياهو، والسفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابي.

    هذا يرفع مستوى التحدي أمام إسرائيل، التي تفاجأت باستعادة حزب الله قدراته القتالية، وتخشى من حرب استنزاف مكلفة وطويلة معه، لا سيما في ظل انشغالها بالحرب على إيران، حيث فشلت إسرائيل في إسقاط النظام أو تهشيمه بعد قتلها عشرات القيادات السياسية والعسكرية والأمنية وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى.

    إسرائيل في مأزق بسبب انهيار ما أنجزته تكتيكيا ضد حزب الله أثناء حربه الأخيرة لإسناد لغزة، فاستعادة الحزب قدرته على المواجهة مجددا، وصموده وانتصاره المفترض، ستعيد له ما فقده من قوة وهيبة وحضور سياسي في المعادلة اللبنانية والإقليمية، وسيقف حجر عثرة أمام المخططات الإسرائيلية.

    على المقلب الآخر، يستشعر الحزب خطورة المرحلة التي يرسم فيها مستقبل وجوده من عدمه، آخذا بعين الاعتبار أهمية حرب الاستنزاف التي بدأ ينسج خيوطها، وواضعا في الحسبان أن قوى لبنانية في الداخل والحكومة اللبنانية تقف ضده أو ليست معه، في ظل ضغوط أمريكية قاسية سياسيا واقتصاديا على لبنان، مترافقة مع قصف إسرائيلي وحشي على الأعيان المدنية والمرافق العامة.

    هي معركة كسر عظم بين إسرائيل وحزب الله، آثارها لن تقف عند الحدود اللبنانية، فإسرائيل ستواصل الضغط بكل ما أوتيت من قوة عسكرية وأمنية، وستحاول تأليب الداخل اللبناني عبر الضغط الأمريكي على بيروت، وعلى الجيش اللبناني الذي لا يزال يمتنع عن الصدام العسكري مع حزب الله؛ لإدراك قائد الجيش العماد رودولف هيكل أن ذلك مقدمة لحرب أهلية ستأكل الأخضر واليابس في لبنان، ولن يستفيد منها إلا إسرائيل التي تتمدد عبر الأراضي اللبنانية.

    فهل ينجح حزب الله في إدارة حرب الاستنزاف ضد الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل تصمد بيروت وحكومتها أمام الضغوط لتجنب حرب أهلية أو اقتتال داخلي؟ هي معادلة معقدة لصعوبة المرحلة التي تشي بتغييرات جيوسياسة تشهدها المنطقة بفعل عامل القوة الذي يمثل شعار المرحلة.

    الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.