
رأي خاص لـ “بصراحة”: في عالم الدراما، ثمّة ممثلون يمرّون على الأدوار مروراً عابراً، وثمّة ممثلون يتركون أثراً عميقاً يشبه البصمة التي لا تُمحى. ومن بين هؤلاء يبرز اسم طارق تميم، الممثل الذي استطاع عبر سنوات طويلة من العمل في الدراما اللبنانية أن يرسّخ مكانته كأحد الأعمدة الصلبة التي تستند إليها الأعمال التي يشارك فيها. فهو ليس مجرد ممثل يؤدي دوراً ثم يغادر، بل حضور درامي يضيف إلى النص حياةً وإلى المشهد روحاً وإلى الشخصية عمقاً إنسانياً نابضاً.
من يتابع مسيرة طارق تميم يكتشف سريعاً أن هذا الممثل يمتلك موهبة من ذلك النوع النادر الذي يتقن ما يُعرف في عالم الفن بـ”السهل الممتنع”. فهو لا يفتعل المشهد ولا يبالغ في انفعاله ولا يتعامل مع كل لحظة درامية وكأنها معركة حياة أو موت، بل يترك للشعور أن يتسلّل بهدوء إلى المشهد، فيمنحه صدقاً يكاد يكون ملموساً. إنّه ممثل يعرف كيف يجعل الشخصية تتنفس على الشاشة، وكيف يمنحها حركة داخلية نابضة تجعلها تبدو أقرب إلى إنسان حيّ منها إلى شخصية مكتوبة على الورق.
في كل عمل شارك فيه، سواء في دور رئيسي أو مساند، كان تميم يشكّل تلك الإضافة التي لا يمكن تجاهلها. فالأدوار التي يؤديها لا تبقى كما هي؛ بل تتلوّن بوجوده وتكتسب أبعاداً جديدة، كأنّه يفتح فيها نوافذ إنسانية لم تكن مرئية من قبل. وهذا ما جعله عبر مسيرته الطويلة في الدراما اللبنانية ظاهرة تمثيلية خاصة، قوامها الاحتراف والخبرة والإحساس العميق بالشخصيات التي يجسدها.
وفي مسلسل بالحَرام، يتجلى هذا الحضور بأبهى صوره من خلال شخصية “طنّوس”، المصوّر في فرقة صباح الذي يعيش حياة بسيطة، وربما قاسية أحياناً، لكنّه يحمل في داخله قلباً كبيراً وكرامة لا تنكسر. طنّوس ليس بطلاً تقليدياً، بل إنسان يشبه كثيرين في هذه الحياة: رجل يعرف معنى الصداقة، يخاف على مشاعر من حوله، ويتمسّك بإنسانيته رغم ضيق الحال وقسوة الظروف.
أداء طارق تميم في هذا الدور يقدّم درساً في التمثيل الهادئ العميق. فهو يصنع الفارق من دون أن يسعى إلى صنعه، ويترك بصمته من دون أن يتعمد إبرازها. كأن حضوره في المشهد يعمل بصمت، لكنه يترك أثراً واضحاً في روحه وإيقاعه. في كل مرة يظهر فيها، يشعر المشاهد أن هناك شيئاً إضافياً يحدث، شيئاً يجعل اللحظة أكثر صدقاً وأكثر دفئاً.
ومن أجمل خيوط هذه الشخصية تلك العلاقة العاطفية التي تجمع طنّوس بـ”هديل” (كارول عبود) المرأة الجريئة التي تقودها الحياة إلى مسارات معقّدة، لكنها تجد في هذا الرجل مساحة مختلفة من الحنان والصدق. هنا ينسج تميم علاقة حب تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مشبعة بالمشاعر الصادقة والنبض الإنساني العميق. علاقة يتسلل فيها الحب بهدوء، كأنه شعلة تحت الرماد، تنبض بالدفء من دون صخب.
في هذه العلاقة، يكشف تميم وجهاً آخر من وجوه الشخصية: الرجل الذي يحب بصدق، الذي يخاف على الآخرين كما يخاف على نفسه، والذي يحاول أن يحافظ على كرامته وعنفوانه رغم قلة الحيلة وضيق الظروف. وهذا ما يجعل طنّوس شخصية قريبة من القلب، لأنها تنتمي إلى ذلك العالم الواقعي الذي يشبه الناس الحقيقيين.
إن ما يميّز طارق تميم في أدائه أنه يمنح المشهد ما يشبه “اللمسة الأخيرة”، تلك اللمسة التي تجعل اللحظة مكتملة. كأن وجوده في أي مشهد يضيف إليه نكهة خاصة أو تحلية درامية تجعل المشاهد أكثر جمالاً وتأثيراً. ولهذا يبدو حضوره في “بالحَرام” واحداً من أجمل العناصر التي أغنت العمل ومنحته عمقاً إنسانياً إضافياً.
هكذا، يثبت طارق تميم مرة جديدة أن التمثيل ليس دائماً في الصراخ ولا في الانفعالات الكبيرة، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الممثل عالماً كاملاً من المشاعر. عالم يمرّ بهدوء… لكنه يبقى طويلاً في ذاكرة المشاهد. ومن هنا يمكن القول إن تميم لم يكن مجرد ممثل في هذا العمل، بل كان أحد أعمدته الجمالية والإنسانية، وواحداً من الأسباب التي جعلت لحظاته الدرامية تنبض بالحياة والصدق.
يُذكر أنّ مسلسل “بالحَرام” من تأليف شادي كيوان وفادي حسين، إخراج فيليب أسمر، إنتاج جمال سنّان وشركة ايغل فيلمز.
يشارك في بطولته كلّ من: ماغي بو غصن، باسم مغنيّة، تقلا شمعون، طوني عيسى، عمّار شلق، سارة أبي كنعان، كارول عبّود، طارق تميم، إيلي متري، سينتيا كرم، ألسا زغيب، رندة كعدي، مجدي مشموشي، ميشال جبر، نادية شربل، مايا أبو الحسن وغيرهم.
