
لا أنام منذ أكثر من ثلاثة أيام. العينان مفتوحتان على ليل طويل، وقلب يطرق صدري كطائرٍ مذعور لا يجد سماءً يهرب إليها.
لا أنام، لأن لبنان لا ينام. الليل هنا ليس وقتاً للراحة، إنما هو وقت أطول للنحيب. وقت أطول لمراقبة وطن يتشقق أمام أعيننا ببطء موجع. أمضي الليل أبكي مع كل طفل ضاع صوته بين صفير الصواريخ. أبكي مع كل مسن يجلس على حقيبة صغيرة، يحمل ما بقي من عمره في كف، ويراقب وطنه يحترق في الكف الأخرى. أبكي مع كل امرأة تشد طفلها إلى صدرها كأنها تريد أن تخبّئه داخل قلبها، كأن القلب يمكن أن يكون بيتاً بديلاً حين تسقط البيوت. وأبكي مع كل رجل يقف عاجزاً أمام عيون أطفاله.
الرجل الذي كان يوماً جداراً يحميهم من العالم، صار اليوم يقف أمامهم بصمتٍ ثقيل، لأنه لا يملك شيئاً يعطيه لهم سوى هذا الصمت.
وذلك الكلب الذي ترك وحيداً في إحدى زوايا الجنوب يبكيني. القطط الخائفة التي تركض بلا اتجاه.
الأشجار التي تسقط كأن الأرض نفسها لم تعد قادرة على حمل هذا الوجع.
قلت لصديقتي اليوم: أشعر أني سأموت قريباً من شدّة القهر، ليس لأن الموت قريب، بل لأن القلب لم يعد يحتمل رؤية لبنان يتهاوى هكذا. بلد كامل يتكسر أمام أعيننا ككأس سقط من يد الله.
لبنان اليوم ليس مجرد بلد تحت النار. لبنان جرح مفتوح يمشي على قدمين. مليون نازح تقريباً يفترشون الطرقات. مليون قصة خوف. مليون قلب مكسور.
نساء يحملن أطفالهن في حضن يرتجف. رجال يقودون سيارات محمّلة بما تبقى من حياة. آخرون يسيرون على أقدامهم لأن الطريق الطويل لم يعد يخيفهم بقدر ما يخيفهم البقاء. رأيت في أحد المقاطع راعياً يسير مع قطيعه.
خمسة أيام من المشي. خمسة أيام وهو يقود غنمه عبر الطرقات، كأنه يجر خلفه ما تبقى من عمره. رجل يمشي، وخلفه غنم، وإلى جانبه كلب يتلفّت حوله كأنه يحرس ما بقي من عالم صغير. مشهد بسيط، لكنه يلخص حكاية وطن. في لبنان اليوم حتى الرعاة صاروا نازحين.
حتى المواشي تهرب من الحرب. وفي مكان آخر، طفلة تقول بصوت مكسور: «تركت ذكرياتي». كلمتان فقط، لكن خلفهما بيت كامل. غرفة…سرير…دفاتر مدرسة. نافذة كانت تطل على شجرة. تركت ذكرياتي.
كأن الوطن أصبح شيئاً يترك خلفنا مثل حقيبة ثقيلة لا نستطيع حملها في طريق الهرب.
المدن تحترق، مدينة تلوى الأخرى. والدخان يصعد إلى السماء. لبنان يتحول، كما قلوبنا، إلى فحمة سوداء. آلاف يفترشون الطرقات، أطفال ينامون في العراء.
آخرون ينامون داخل سيارات باردة، يتكئون على أكتاف أمهاتهم كأنها آخر جدار في هذا العالم.
وفي وسط هذا الخراب، تقف امرأة حامل على وشك الولادة… تنظر حولها وتسأل السؤال الذي صار سؤال لبنان كله: إلى أين أذهب؟ أين ألد طفلي؟ في أي مستشفى؟ في أي مدينة؟ في أي وطن؟
كيف يمكن لامرأة أن تستقبل الحياة بينما الموت يسقط من السماء؟
وفي الجنوب أيضاً، لم يكن الموت يختار ضحاياه بعناية. كان يمر مثل ريح سوداء، يقطف كل من يقف في طريقه.
حتى رجال الله لم يسلموا، كاهن رعية القليعة لم يكن يحمل سلاحاً، لم يكن في معركة، لم يكن حتى في موقع قتال. كان فقط يمشي نحو جريح، ذهب ليضمد ألماً. فصار هو الألم. رصاص إسرائيلي قطع الطريق بينه وبين الحياة، وسقط الرجل الذي كرّس عمره للصلاة بين يدي الربّ. مات الكاهن، لكن موته لم يكن موت رجل واحد. كان موت فكرة قديمة في هذا الشرق: أن الرحمة يمكن أن تحمي صاحبها.
في القليعة لم يمت كاهن فقط، بل سقطت قطعة أخرى من قلب لبنان. رجل دين خرج ليحمل البلسم، فعاد ملفوفاً بالكفن.
لبنان العالق بين العدوان والسلاح
لكن مأساة لبنان لا تأتي فقط من السماء. الوجع هنا أعقد من صاروخ، وأعمق من غارة.
لبنان اليوم عالق بين نارين، من جهة، عدوان إسرائيلي لا يرى في هذا البلد سوى ساحة حرب مفتوحة، يضرب مدنه وقراه بلا رحمة، ويحول حياة الناس إلى رحلة هروب طويلة. ومن جهة أخرى، واقع داخلي شديد التعقيد، حيث يتمسك حزب الله بسلاحه، رغم كل النقاشات والقرارات التي طالبت بأن يكون السلاح بيد الدولة وحدها. وهكذا يجد اللبناني نفسه محاصراً بين قوتين أكبر منه، بين صاروخ يسقط من السماء وسلاح يقف على الأرض. وبينهما يقف المواطن، أعزل، الدولة اللبنانية قالت كلمتها مراراً.
لكن الواقع بقي كما هو، والنتيجة اليوم واضحة أمام أعيننا. لبنان يدفع الثمن، ليس السياسيون الذين يتجادلون في القاعات المغلقة. ولا القادة الذين يعلنون الانتصارات من خلف الشاشات، إنما ذلك الرجل الذي يسير في الطريق حاملاً طفله. وتلك المرأة التي تبحث عن سقف تنام تحته. وذلك الطفل الذي يسأل أمه: لماذا تركنا بيتنا؟
اللبناني لم يعد يريد خطابات، اللبناني يريد حياة فقط. يريد أن يستيقظ صباحاً بلا صوت طائرات. أن يرسل أولاده إلى المدرسة بلا خوف. أن يزرع أرضه ويعود إليها في المساء، لكن هذا الحلم البسيط أصبح رفاهية.
لبنان ينهار. البيوت تهدم. القرى تفرغ. والخوف يسكن العيون. وفي النهاية، سيطل أحدهم من بين الركام، سيرفع صوته عالياً ويصرخ: لقد انتصرنا. لكن من انتصر حقاً؟ هل ينتصر أحد عندما ينام طفل لبناني على الأرض؟ هل ينتصر أحد عندما تلد امرأة في طريق النزوح؟ هل ينتصر أحد عندما يمشي راع خمسة أيام مع غنمه لأنه فقد بيته؟ الانتصارات في هذا الشرق غالباً ما تبنى فوق جثث الأبرياء.
وفي لبنان، نحن تعبنا من الانتصارات، نريد وطناً فقط. وطناً لا يهرب فيه الأطفال من بيوتهم، ولا ينام فيه الناس في السيارات. ولا تبكي فيه القلوب كل ليلة، نريد وطناً لا يكون ساحة لحروب الآخرين. ولكننا اليوم نقف في القاع، ننظر إلى الأعلى بعيون مليئة بالرماد… ونبكي.
كاتبة لبنانيّة
