في حلقة خاصة من برنامج “كلام بزنس” على CNN الاقتصادية، كشف الكاتب والشاعر والمنتج المصري مدحت العدل تفاصيل نادرة عن اقتصاد صناعة الفن في مصر، متحدثاً عن التمويل والمخاطرة والعوائد المالية، وعن كيفية تحوّل الإبداع إلى صناعة قائمة على الأرقام والحسابات.

    الحوار لم يقتصر على الجانب الفني، بل امتد إلى ما وراء الكواليس: كيف يجمع المنتج التمويل؟ كم يمكن أن يربح فيلم ناجح؟ وما حجم الخسائر المحتملة في هذه الصناعة عالية المخاطر؟

    العدل، الذي بدأ حياته المهنية طبيباً قبل أن يتحول إلى أحد أبرز صناع السينما والدراما في مصر، قدّم خلال مسيرته أعمالاً تركت أثراً واسعاً في الثقافة الشعبية، من أفلام مثل “آيس كريم في جليم” إلى أعمال درامية مثل “حديث الصباح والمساء” و”حارة اليهود”. لكن خلف هذه النجاحات يقف جانب أقل ظهوراً: اقتصاد الفن، وكيف تتحول الفكرة إلى مشروع يحتاج إلى تمويل ومخاطرة وحسابات دقيقة.

    27 ضعف التكلفة.. كيف غيّر “صعيدي في الجامعة الأمريكية” اقتصاد السينما؟

    يعتبر مدحت العدل أن فيلم “صعيدي في الجامعة الأمريكية” لم يكن مجرد نجاح جماهيري، بل نقطة تحول في اقتصاد السينما المصرية.. الفيلم، الذي قام ببطولته محمد هنيدي، حقق إيرادات ضخمة مقارنة بتكلفته الإنتاجية.

    وقال العدل: “الفيلم كان مكلف مليون جنيه وعمل 27 مليون جنيه إيراد… يعني غطّى من الداخل 27 ضعف تكلفته”.

    وأضاف أن النجاح لم يكن مجرد رقم في شباك التذاكر، بل ظاهرة جماهيرية حقيقية.. فقد استمر عرض الفيلم لفترة طويلة، وكانت صالات السينما ممتلئة بالجمهور لأسابيع متتالية.

    وأوضح: “مفيش حد كان يتخيل إن فيلم يقعد 19 أسبوع في السينما ومفيهاش كرسي فاضي”.

    ويرى العدل أن الفيلم غيّر قواعد السوق، لأنه أثبت أن السوق المصري وحده قادر على تحقيق أرباح ضخمة للأفلام، حتى من دون الاعتماد الكامل على التوزيع الخارجي.

    ويؤكد مدحت العدل أن العمل في السينما والدراما لا يمكن التعامل معه كاستثمار مضمون، بل كصناعة قائمة على المخاطرة الدائمة.

    وقال خلال الحوار: “الفن صناعة عالية المخاطر.. والنجاح الحقيقي هو القدرة على الاستمرار”.

    وأوضح أن المنتج الذي يدخل المجال بحثاً عن ربح مضمون لن يستطيع الاستمرار، لأن طبيعة الصناعة تقوم على أعمال تحقق أرباحاً كبيرة وأخرى قد لا تحقق العائد المتوقع.

    وأضاف: “لو داخل أي عمل متأكد إنك هتكسب منه في السينما… طب ما تدخلش المجال من الأصل”.

    كيف يحصل المنتجون على التمويل؟

    شرح العدل أن تمويل الأفلام لم يعد يعتمد على مصدر واحد، بل على مجموعة مصادر تتكامل معاً.

    وقال: “لما تعمل الفيلم ممكن يكون متكلف مثلاً 4 مليون دولار، فتلاقي إن البيع الخارجي والمنصات والديجيتال يجيبوا لك جزء كبير من المبلغ قبل ما ينزل الفيلم السينما”.

    وأضاف أن المنتج يبني حساباته على عدة مصادر للإيرادات، منها:

    التوزيع الخارجي في الخليج والأسواق العربيةبيع الحقوق للمنصات الرقميةحقوق العرض التلفزيونيإيرادات شباك التذاكر في السوق المصري

    لكن رغم هذه الحسابات، يظل عنصر المخاطرة قائماً في كل مشروع.

    المنتج أم المستثمر؟ الفرق كبير

    وميّز العدل بين المستثمر الذي يضع المال فقط، والمنتج الذي يشارك في صناعة القرار الفني.

    وقال: “في فرق إنك تبقى مستثمر بتدفع فلوس بس، وإنك تبقى منتج داخل في العملية الإنتاجية”.

    وأضاف: “المستثمر ممكن يدخل عشان اسم النجم أو نوع الفيلم، لكن المنتج بيقرأ السيناريو ويحدد إذا كان يناسب الشركة أو لا”.

    ويرى أن المنتج الحقيقي يجمع بين الرؤية الفنية والحسابات الاقتصادية.

    أجور النجوم.. أرقام تتغير بسرعة

    تحدث العدل أيضاً عن تطور أجور النجوم في السينما، مستشهداً بتجربته مع النجم محمد هنيدي.

    وقال: “أول فيلم عمله معنا محمد هنيدي أخذ خمسين ألف جنيه، وأنا كنت آخذ ستين ألفاً”.

    لكن بعد نجاح “صعيدي في الجامعة الأمريكية”، تغيرت المعادلة تماماً.

    وأضاف: “الفيلم اللي بعده أنا أخذت 200 ألف وهو أخذ 2 مليون جنيه”.

    ويوضح أن هذه القفزات في الأجور تعكس قيمة النجم في السوق وقدرته على جذب الجمهور.

    أكبر خسارة مالية في مسيرته

    كما كشف العدل عن واحدة من أكبر الخسائر التي تعرض لها في الإنتاج السينمائي.

    وقال: “كان فيه فيلم متكلف سبعة أو تمانية مليون جنيه… وخسرنا فيه خمسة مليون إضافة لذلك”.

    وأوضح أن هذا النوع من الخسائر جزء طبيعي من الصناعة، لأن نجاح العمل الفني لا يمكن التنبؤ به بدقة.

    وأضاف: “في أفلام بتكسب وأفلام ما بتكسبش… دي طبيعة الشغلانة”.

    “آيس كريم في جليم”.. صفقة بلا أجر

    شكل فيلم “آيس كريم في جليم” نقطة البداية الحقيقية لمدحت العدل في صناعة السينما.. المفارقة أن العدل لم يتقاضَ أجراً عن كتابة السيناريو والحوار في هذا الفيلم.

    وقال: “أول فيلم كتبته ما رضيتش آخد فيه فلوس… كنت شايف إن الشغل مع خيري بشارة فرصة”.

    وأوضح أنه اكتفى بأجر الأغاني التي كتبها للفيلم، بينما اعتبر كتابة السيناريو استثماراً طويل المدى في اسمه ومسيرته المهنية.

    هذه الخطوة تعكس أحد الدروس الأساسية في الاقتصاد الإبداعي حسب العدل الذي قال إن المكسب لا يجب أن يكون فورياً، أحياناً تكون القيمة الأكبر في بناء السمعة والدخول إلى الصناعة.

    الفن والاقتصاد.. صناعة تشغّل الملايين

    يرى مدحت العدل أن تأثير الفن لا يقتصر على الثقافة، بل يمتد إلى الاقتصاد بشكل مباشر.

    وقال: “في مصر تقريباً 2 مليون شخص يعملون في المجال الفني”.

    وأضاف أن هذا يعني أن الصناعة تؤثر في حياة ملايين الأسر، إلى جانب دورها في القوة الناعمة وتأثيرها الثقافي خارج الحدود.

    ويرفض العدل الفصل الحاد بين الفن والتجارة، مؤكداً أن الصناعة تحتاج إلى توازن بين الاثنين.

    وقال: “لو ما عرفتش تبقى تاجر شاطر… الفيلم بتاعك مش هيتعمل”.

    لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الهدف ليس الربح فقط، بل تقديم عمل يملك قيمة فنية وتأثيراً حقيقياً.

    وأضاف: “الفن لازم يبقى صناعة وتجارة وفكرة في نفس الوقت”.

    صناعة بين الشغف والأرقام

    في نهاية الحوار، يقدم مدحت العدل رؤية واضحة لصناعة الفن: مزيج من الإبداع والاقتصاد والمخاطرة.

    فالفن، كما يراه، ليس مجرد رسالة ثقافية، ولا مجرد تجارة تبحث عن الربح، بل صناعة كاملة تقوم على معادلة دقيقة بين الشغف والانضباط، وبين القيمة الفنية والحسابات الاقتصادية.

    ويبقى النجاح الحقيقي في هذه الصناعة، وفقاً لتجربته، هو القدرة على الاستمرار: تقديم أعمال تحقق أثراً وتفتح الباب لمشروعات جديدة، حتى في ظل الخسائر التي قد ترافق الطريق.