إشارات تفاؤلية يمكن أن تحضرها الدورة الأخيرة لأحد أهم مهرجانات الأفلام القصيرة في العالم، كليرمون- فيران في فرنسا، إشارات في السينما الفلسطينية كانت بمشاركة 3 أفلام هي «ذاكرة متقاطعة» و»كنتاكي غزة» و»مهدد بالانقراض». لا لكونها، أول فيلمين تحديداً، استهلالات سينمائية تشي بأعمال طويلة أولى، قد تكون حالات متقدمة لهذه السينما، وثائقية مع الأول وروائية مع الثاني، بل لكونها حالات متقدمة في مجالها، السينما القصيرة. فلا يصح أن تكون «القصيرة» مجرد تمهيدات «للطويلة»، بل هي أعمال مستقلة بذاتها، لها امتيازاتها وقصصها وأسلوبها الملائم وحسب، لأفلام قصيرة، والفيلمان «ذاكرة متقاطعة» و»كنتاكي غزة» نموذجان على كيف يكون الفيلم القصير الفلسطيني ممتازاً، أسلوبياً في شكله وكتابياً في مضمونه.

«ذاكرة متقاطعة»

في المهرجان مسابقتان أساسيتان: الدولية والوطنية. لكل منهما جوائز أهمها «الجائزة الكبرى». في المسابقة الوطنية، الخاصة بالإنتاجات الفرنسية، كانت الجائزة الأولى، أي الكبرى، من نصيب «ذاكرة متقاطعة» للفلسطينية شيماء عواودة. لسنا هنا أمام فيلم تكثر أمثلته فلسطينياً، مهادن وملائم للنفسية والعقلية الأوروبيتين، في تناوله للموضوع الفلسطيني فيُناوَل جائزة ما. هذا الفيلم شديد الرهافة، وذلك بتناقضه مع صوره التي تكشف ممارسات الاحتلال الوحشية في مدينة الخليل. الفيلم الرقيق فنياً والقوي سياسياً، استحق جائزته، ومن دون إنسانوية استعطافية تتوسلها أفلام مقابل صاحب القرار (في التمويل والبرمجة والتوزيع) الأوروبي.
الفيلم بخطين متوازيين، صوت لعواودة تروي فيه قصة فردية، من طفولتها، مع أمها، في المدرسة، في البيت، في الحي، في مدينة الخليل خلال الانتفاضة الثانية، أمام ممارسات جنود الاحتلال في المدينة المنكوبة، صوت تحكي فيه عن نفسها وأهلها، قصة شديدة الشخصية، الفردانية، متطابقة مع خط مواز آخر كان من خلال المَشاهد الأرشيفية من الانتفاضة وفي الخليل، كانت جمعية، جماهيرية، تُظهر، المَشاهد، ممارسات الاحتلال في الحيز العام، لا الخاص كما سمعنا بصوت المخرجة، رأينا هنا تمثيلاً عاماً للكلام الخاص. فتطابقَ الخطان، بتماهٍ ما بين الفردي والجمعي. الفيلمُ، بذلك، تحلّى بأسلوب شديد الرهافة، المرفقة بمَشاهد شديدة القسوة مشاعرياً، فأظهر كلٌّ من الرهافة والقسوة، عمقَ الآخر وأثرَه في الأهالي، أفراداً وجماعات.
الفيلم، برقّته وألمه وبتجاورهما، مثال لامع على سينما وثائقية فلسطينية تنتزع، لا بسبب موضوعها بل على الرغم من موضوعها، استحقاقاً، بل جائزة أولى في مسابقة لمهرجان بحجم كليرمون – فيران.

«كنتاكي غزة»

كان ذلك في المسابقة الوطنية، أما في المسابقة الدولية، فحضر فيلم «كنتاكي غزة» لعمر رمّال. روائي قصير يحكي عن شاب يعمل في مطعم دجاج مقلي لوالده، يترك عمله ليدخل في آخَر هو تهريب سلال دجاج كنتاكي من مصر إلى القطاع عبر الأنفاق. وذلك في الأيام الأخيرة ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لينتهي الفيلم، من بعد لقطة افتتاحية لافتة، بأخرى ختامية مذهلة، لها، بِصمتِها وقتامتِها، وقعَ الصدمة. فمن بعد ازدهار المطعم بإدارة الشاب، بإعداد دجاج بوصفة كنتاكي المهرَّب، يقلب ورقة الروزنامة إلى اليوم التالي، 7 أكتوبر، ويغلق المحل ليلاً.
يتمكن الفيلم من دمج الكوميديا، لا الابتذالية والعدوانية، بل خفيفة الظل، اللطيفة، لتكون مدموجة بحالة قطاع غزة المأساوية ما قبل الحرب، وهي حالة حصار متواصل وقصف متقطّع، وهي رغم ذلك بدت حالة ما قبل الكارثة، موحياً، الفيلم، بطبيعة الكارثة المقبلة.
الاستثناء هنا، أي الاضطرار إلى تهريب دجاج كنتاكي، كان حالة طبيعية في غزة. ولأن الفيلم خيالي، بقصة تبدو ساخرة وعبثية وغير متحققة لغير عارف بأحوال القطاع، أحسنَ المخرجُ إدماج مَشاهد أرشيفية لعمليات تهريب لسلال كنتاكي في أنفاق غزة، فمهما بدا الفيلم، في قصته، مزحة مبالَغا فيها، يؤكد، أخيراً، لمُشاهديه، أن لا مزاح هنا ولا مبالغة، بل نقل، في فيلم روائي، لحادثة شديدة الواقعية في واقع شديد العبثية يعيشه أهل القطاع. الفيلم، بذلك، كان ابنَ واقعه، وكان في الوقت ذاته موحياً بخيالية وعبثية تامتين، مربكاً المُشاهد، وذلك كله بإخلاص لواقع وبدمجه، بحساسية وذكاء كوميديين، بحوارات جملُها قصيرة وجميعها ذو وقع، وبتقطيعٍ كذلك قصير ومختصَر وغير متكلّف. فللفيلم القصير هذا، وقد توفّقَ في ذلك، أن ينقل وضعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً بخفّة المزاح وبجدية المأساة.
«كنتاكي غزة»، مثال ممتاز على كيف يكون الفيلم كوميدياً في عز المأساة، وعن كيف تكون الكوميديا ابنة تلك المأساة، أمينة لقصصها، بانتباه واكتراث، لا عبئاً على المأساة ولا متسلّقة عليها. الإخلاص للواقع والرهافة في الخيال، وحس فكاهة، فِعلي لا مُفتعَل، يتوسطهما. هذه تشكيلة خلاقة لكوميديا فلسطينية يمكن لهذا الفيلم، ولأنه قصير، أن يلخّصها.

كاتب فلسطيني/ سوري