
حياة سيد درويش من ولادته إلى وفاته وجنازته في عرض «أنا عشقت» السمعي البصري
بيروت ـ «القدس العربي»: رحلة هادئة استعادت حياة سيد درويش بدءاً من ولادته في كوم الدكة في الإسكندرية، إلى تاريخ وفاته سنة 1923 عن 31 سنة. كأنه راوي اعتلى اسامة حلمي الفنان المصري مسرح مترو المدينة، وانطلق بالحكاية من أولها. جلسة مرفقة بآلة مشغّلة للبكر، وبآخرى مشغّلة لأسطوانات الزفت أو الحجر. وكان الاستماع لتلك التسجيلات القديمة مساحته الوافية من العرض. أغنيات أتت من ضمن الصيغة الحكائية التي أجادها حلمي.
في حضوره هذا كان اسامة حلمي الفنان المعروف في مصر بـ «oz oz» بصدد تقديم عمله الجديد «أنا عشقت». حافزه هو السؤال الذي لا جواب له حتى الآن: «لماذا مشى فقط خمسة أشخاص في جنازة سيد درويش؟» وهذا ما تُظهره الصور التي حصل عليها بالصدفة. يُعرّف اسامة حلمي نفسه بالمؤسس للمركز العربي لفن الأوريغامي الياباني، وكذلك بمحترف الفنون الأدائية المسرحية والحكي. نظّم عشرات ورش العمل حول فن الأوريغامي في دول عربية وغيرها. وهو الآن بصدد عرضه الجديد المثير للإهتمام «أنا عشقت». وفيه سيرة وافية عن حياة سيد درويش الفنية والعاطفية.
مع اسامة حلمي هذا الحوار:
○ من هو اسامة حلمي الذي استعاد في بيروت بعضاً من سيد درويش في مئوية رحيله؟
• عمري 46 سنة من مدينة الإسكندرية. بدأت حياتي الفنية منذ أكثر من عقدين. وبين سنة 2000 و2004 كنت مؤسساً ومشاركاً في فرقة الموسيقى «رسالة». تركتها حين وقعت في فن الأوريغامي الياباني، وهو فن طي الورق. وأسست المركز العربي لفن الأوريغامي. ومنذ سنة 2010 وأنا أتردد إلى لبنان، حيث كانت لي جولات حول هذا الفن في مختلف المدن اللبنانية بين ساحل وجبل. هذه كانت حياتي في السنوات العشرين التي مرّت، وتخللها اكتشافي للفنون الأدائية من مسرح وحكي. استخدمت فن الأوريغامي في عروض مسرحية لها صِلة بكيفية النظر إلى الورقة، بمعناها ولونها وملمسها وماذا يقول ذلك؟ بدون السؤال ماذا سنفعل بتلك الورقة. حضوري على المسرح في هذا الفن الأدائي أكسبني خبرة.
○ في حضورك البيروتي مؤخراً لتقديم عرض «أنا عشقت» بدوْت كما الحكواتي ليس على صعيد القصة بل الفن كموسيقى وسيرة فنان؟
• هواياتي متعددة، وهذا يُكسبني تراكم خبرات. أقف على المسرح منذ أكثر من عشرين سنة، وبعدها اكتشفت فن الأوريغامي. أعطي الكثير من ورشات العمل، وأهتم جداً بالتعليم التفاعلي، وتابعت ورشات عمل لا تُحصى مع مختصين عرباً وأجانب.
○ هذه الحياة المتنوعة بين هذا وذاك الفن هل هي وليدة الصدفة أم التخطيط؟
• اسمّي نفسي مدير عام الصُدف، ورئيس اتحاد بنك مُلاّك الحظ! برأيي الفرص في الحياة تُشبه الـ«فيديو غيم». نسير ونرصد قدرتنا على جذب الركاب خلال الرحلة، والفرص من حولنا كثيرة.
○ وما هي الفرصة المؤثرة في حياتك؟
• هو كتاب الأوريغامي الذي وجدته في إحدى مكتبات الإسكندرية. يمكنني القول إن مسار حياتي حددته الأمور المحيطة بها. للراديو أثره في تكويني، فقد نشأت على صوته، وكان رفيق والدتي الدائم في المطبخ. مخزوني السمعي غني منذ الطفولة.
○ وماذا عن هواياتك المدرسية؟
• كنت نشيطاً ضمن الإذاعة المدرسية، اقرأ القرآن، وأقدّم البرنامج الصباحي. كنّا نجمع الأخبار ونتلوها، وهي تتراوح بين فنية واجتماعية، وغيرها من الفقرات. وبعيداً عن المدرسة وأسلوبها الفاشل في التعليم، فأنا حالياً أعيش في الإسكندرية، وفي حي يشتهر ببيع الإنتيكات. فمنذ عشرينيات عمري أهتم بإقتناء المجموعات. اشتريت غرامافون قديم من صديقة لي، ومعه أسطوانات غربية كلاسيكية لا تشبهني، فسماعي شرقي وليس كلاسيكيا، ولهذا بحثي يتجه نحو أسطوانات الغناء العربي. وجدت عبد الوهاب وسواه، كما وحصلت من سوق الحي الذي أعيش فيه على أسطوانات تعود لبدايات سيد درويش وتُعرف في لبنان باسم «زفت»، وفي مصر باسم «حجر». ومن ثمّ تعرّفت إلى أسطوانات الـ«فينيل» أي البلاستيك. ولأجلها أحضرت جهاز البيك آب. وتعرّفت لاحقاً إلى «البكر» وأحضرت له جهازاً. ولاحقاً وصلت إلى التسجيلات المنزلية.
○ تلك الأجهزة القديمة كيف تتم صيانتها ومن أين تأتي لها بقطع الغيار؟
• بشكل عام أمضي الكثير من الوقت في منزل «العم عزّت». وهو الذي لا يستسلم أمام أي جهاز به عُطل.
○ لنعود إلى الأوريغامي والسؤال ماذا قدّمت لك كهوية ومهنة؟
• سافرت مع الأوريغامي إلى 30 بلدا في العالم. شاركت في عروض ومهرجانات. في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي قدمت في سويسرا عرض «أنا عشقت» الذي قدمته في بيروت، مصحوباً بالترجمة. بالتأكيد الفرق واضح بين لبنان أو في أي بلد عربي آخر، وسويسرا، لجهة ردة فعل الجمهور. في تقديمي لعرض سيد درويش في أي بلد عربي أعتبر نفسي محمياً به، وفي سويسرا كنا متساوين أمام الجمهور، وكنا معاً مجهولين.
○ كيف تُحضّر عرضاً يرافقك لموسم كامل؟
• بفضل الأصدقاء والخبراء نكوّن صندوق أفكار. لنتناول عرض سيد درويش وكيف ولد؟ يوجد في الإسكندرية مركز «الجزويت الثقافي» حيث وجه دعوة لي ولعدد من الفنانين للمشاركة في إحياء مئوية وداع سيد درويش وذلك سنة 2023. وهكذا أحضرت مجموعة الأصدقاء كل ما لديها من مقتنيات وجرى وضعها في صندوق الأفكار. وعندما سُئلت ماذا ستفعل لم يكن عندي أي جواب. وقرّ الرأي على إعداد جلسة استماع انطلاقاً من أرشيفي السمعي. وبما أني أمتلك صوراً لجنازة سيد درويش منذ سنة 2014 كان السؤال عن مضمونها: لماذا هي جنازة من خمسة أشخاص؟ قبل قرار العرض المخصص لسيد درويش، كنت أعرف انه مات شاباً، وكان يمنّي النفس بالسفر إلى إيطاليا للتمكن من فن الأوبرا. كذلك أعرف أن كافة إنتاجاته الفنية ولدت في خلال ست سنوات فقط، وأنه غنّى لكافة فئات الشعب. والبحث قادني للمزيد من المعارف عن فنه.
○ في حكايتك في مترو المدينة/بيروت أسقطت عن سيد درويش ما كان راسخاً عندنا عن وعيه لمعاناة «الناس الغلابى من العمّال والفلاحين». لماذا؟
• وهذه هي الحقيقة. فتلك الأغنيات وردت في مسرحيات سلامة حجازي لزوم اللعبة المسرحية فقط. ففي الأبحاث عن سيد درويش عندما نكون بصدد أغنية معينة كمثل «شد الحزام» يتبادر للذهن مباشرة التوجه إلى هذه المسرحية أو تلك. لذلك يبقى السؤال من دون جواب إن كان سيد درويش قرر الغناء للعمال بوعي إيديولوجي تام؟ أم جاء هذا الغناء في سياق مسرحي؟ والبحث متواصل عن السياق الذي جاءت فيه هذه المسألة أو تلك.
○ هل من مكانة مميزة لسيد درويش في مسقط رأسه الإسكندرية؟
• لا أعتقد أن جيل المراهقين الحالي يعرف سيد درويش. وكذلك لا أظن في لبنان أن جيل المراهقين يعرف زياد الرحباني. وفي المقابل أسأل إن كان أحدهم في مصر لا يعرف السيدة أم كلثوم؟ والجواب لا حاجة مستحيلة. إن لم يعرفوا اسمها قد يعرفون شكلها ويقولوا «إحنا شفناها في التلفزيون». أستمع لـ«إذاعة الأغاني» وليس فيها كثير من أغنيات سيد درويش، في المقابل هناك فقرات محددة بالساعة لأم كلثوم ومحمد فوزي وعبد الوهاب وغيرهم.
○ ربما جرى تصنيفه من الثوريين ورُفع من الاستعمال؟
• سبق و«اتمنع برضو».
○ وهل من هدف مقبل للبحث لديك؟ أم تنتظر الصدفة؟
• ليس في بالي شخصية أخرى لتقديمها بالأسلوب نفسه. ربما تتكفّل الأيام بإيجاد هذا الإسم.
○ كم تعمل على العرض الذي تقرره؟
• تبلور وتكوّن عرض «أنا عشقت» في خلال أسبوع. ساعدني في الإعداد صديقي عبد الرحيم يوسف خاصة في الجانب الدراماتولوجي، وكيفية اختيار نصوص الأغنيات وموقع كل منها في العرض. ولكوني ألعب العرض لأول مرّة في بيروت فقد عززته بما يشير إلى زيارات سيد درويش إلى بلاد الشام. وهكذا يمكن لعرض سيد درويش أن يتبدّل تبعاً لمقتضيات المكان الذي أقدمه فيه.
○ هل من مفاجآت لم تكن متوقعة في عرض بيروت؟
• صراحة كنت متحسباً جداً لهذا العرض لكوني اُدرك تماماً الصلة القوية للبنانيين بسيد درويش. وهذا ما وضعني على المسرح بحالة حذر قوية. لكن الحمد لله «عدِّت» الأمور على خير، والحضور ملأ الصالة وكان متجاوباً جداً.
○ هل كتب سيد درويش أياً من أغنياته؟
• كتب القليل منها كما أغنية هجاء «الصاغة» رداً على الصائغ الذي سرق منه حبيبته جليلة. إنما كان سيد درويش يجعل من موسيقاه مطابقة تماماً للكلام ومرافقة له، أي أنه متمكن من تصوير الكلام موسيقياً.
○ ماذا عن أسباب وفاة سيد درويش بعضهم يرى أن العائلة الثرية التي كان في ضيافتها ذاك الليل وضعت له جرعة زائدة من الكوكايين عن قصد؟
• إنها إحدى الروايات عن أسباب موته. ورواية أخرى حول رفضه لفتاة لم يكن معجباً بصوتها، فيما صاحب الفرقة المسرحية أصرّ على استمرارها. ويتردد أن سيد درويش عاكسها، فكان أن انتقم منه صاحب الفرقة بجرعة كوكايين زائدة. ورواية ثالثة تقول باغتيال سياسي نفّذه الاستعمار الإنكليزي، والأهم أنها تكهنات ولا ورق يحمل أي محضر بصدد هذه الوفاة.
○ هل ترى أن المؤسسة الثقافية الرسمية في مصر وفية لسيد درويش؟
• ليس في مصر متحف لسيد درويش. وثمة مبادرة حالية من مجموعة ناشطين إسكندرانيين لتحويل منزله في كوم الدِكة في الإسكندرية إلى متحف. مع العلم أن عائلة سيد درويش لديها وثائق كثيرة له لم تنشر إلى حينه.
○ إلى أين بعد حفل بيروت؟
• سأعود إلى مصر. وفي شهر حزيران/يونيو سأكون في مهرجان في هولندا لتقديم عرض «صدى» الخاص بالفقد. ومن ثم لي جولة على أربع محافظات في مصر مع العرض نفسه، ولاحقاً مواصلة جولة أوروبية أخرى.
○ بالمناسبة ماذا عن أرشيفك الغني؟
• يحمل أرشيفي تعريف «اوديوز» ويجمع بين الصوت واسمي الفني حيث اُعرف ب،»أوز أوز». أهمية الأرشيف الذي أجمعه إلى جانب باقي المقتنيات أنها جاءت من خلفية إنسان يتوازى لديه شغف الإقتناء مع الشغف الفني، ولهذا كبر الشغفان معاً، وكل منهما كان بخدمة الآخر. وحالياً أوجه اهتمامي نحو الأرشيفات المنزلية، وليس الحكومية أو الجامعية. كما أنني بصدد بناء موقع إلكتروني اسمه «أرشيف سِندان». وسِندان هي عظمة موجودة في الأذن، وتُعرف بعظمتي المطرقة والسِندان. وهذا الموقع سيتحدّث عن هواة تجميع التسجيلات الصوتية في مصر. وسيتيح لكل من لديه بحث فني الحصول على المعلومات التي يرغبها.
○ وخدماته بمقابل مادي؟
• بالتأكيد.
○ وإن تحققت فكرة متحف لسيد درويش في الإسكندرية هل ستساهم بمنحه بعض مقتنياتك؟
• ممكن.
