في موسم دراما رمضان الذي تميل أعماله في معظمها إلى الإثارة أو الكوميديا الخفيفة، يأتي مسلسل “اللون الأزرق” ليطرح قصة أكثر هدوءا لكنها مشحونة بثقل إنساني، إذ يتناول قضية اجتماعية حساسة بعيدا عن الطابع الترفيهي السائد، من خلال تسليط الضوء على التحديات التي تواجه أسرة لطفل مصاب بطيف التوحد.
حكاية أسرة في مواجهة التوحد
تبدأ أحداث “اللون الأزرق” بعودة آمنة (جومانا مراد) وزوجها أدهم (أحمد رزق) وابنهما حمزة إلى مصر بعد سنوات من العمل في دبي، ليجدوا أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة مما توقعوا. فحمزة طفل مصاب بطيف التوحد، ويحتاج إلى رعاية خاصة ونظام حياة دقيق، وهو ما يضع الأسرة في مواجهة يومية مع الصعوبات العملية المرتبطة بالتعليم والعلاج في مصر.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
مع تطور الأحداث تتصاعد الضغوط النفسية على آمنة، التي تعيش قلقا دائما على مستقبل ابنها، خاصة بعد وفاة ابنة خالها بشكل مفاجئ، في تكرار لسيناريو وفاة والدتها في السن نفسه تقريبا وتركها يتيمة. هذه التجارب تغذي هواجس آمنة من احتمال أن ترحل هي الأخرى وتترك ابنها في عالم قد لا يمنحه الحماية الكافية في ظل ظروفه الخاصة.
تقدم شخصية آمنة كنموذج لأمومة تتحول إلى حالة من الضغط المستمر، فقلقها ليس رد فعل عابرا على مرض الابن، بل حالة مستمرة تشكل علاقتها بالعالم كله. منذ عودة الأسرة إلى مصر تعيش آمنة إحساسا بأن ابنها يعيش في مجتمع لا يحمي المختلفين، وأن مسؤولية حمايته تقع عليها وحدها تقريبا.
هذا الشعور لا ينبع من طبيعة التوحد فقط، بل أيضا من غياب شبكات الدعم التي يمكن أن تخفف عنها العبء، فلا أم تقف إلى جوارها ولا قريبة تشاركها الرعاية اليومية، بينما تبدو والدة زوجها غير متفهمة لطبيعة التوحد واحتياجات الطفل الخاصة، وهو ما يحول العلاقة معها إلى مصدر ضغط إضافي بدل أن تكون سندا.
صدمة البيئة لا المرض
مع مرور الحلقات يتضح أن الصدمة الأكبر التي تواجهها آمنة ليست المرض في حد ذاته، بل البيئة التي يفترض أن تساعدها على التعامل معه. فالنظام التعليمي لا يبدو قادرا على استيعاب طفل يحتاج إلى تعامل خاص، والنظام الطبي يضع أمامها سلسلة من الإجراءات المعقدة والاستغلال المادي، حتى تصبح أبسط الأمور معركة يومية تستنزف طاقتها، وتتحول الأمومة إلى نوع من الحراسة الدائمة، إذ تتصرف آمنة كما لو أنها الحاجز الأخير بين ابنها وعالم قد لا يمنحه فرصة عادلة.
في الوقت نفسه، لا تجد آمنة الدعم الكافي من والد حمزة، المنشغل أكثر بهموم العائلة الاقتصادية بعد العودة من دبي ومحاولة العثور على عمل يضمن مستوى مادي وتقدير معنوي مقاربين لما كان عليه هناك، فينخرط أدهم في صراعه الخاص، ويبدو بعيدا عن أزمة زوجته وابنه مهما حاول الاقتراب منها.
يأتي “اللون الأزرق” ضمن الأعمال المعروضة في النصف الثاني من موسم دراما رمضان 2026، وهو من إخراج سعد هنداوي، ويضم في بطولته جومانا مراد وأحمد رزق، إلى جانب نجلاء بدر وأحمد بدير وكمال أبو رية وحنان سليمان ونور محمود ويارا قاسم، مع مشاركة عدد من الممثلين الآخرين.
ورشة سرد وخط دراما الأسرة
المسلسل من تأليف ورشة “سرد” التي أسستها الكاتبة مريم نعوم، وتعد واحدة من التجارب المهمة في الكتابة الجماعية للدراما في مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث تعمل كغرفة كتابة تضم عددا من الكتاب الشباب لتطوير مشاريع درامية تتناول في أغلبها قضايا اجتماعية معاصرة.
منذ انطلاقها، سعت الورشة إلى إنتاج أعمال تقترب من الحياة اليومية للأسرة المصرية وما يحيط بها من تحولات وضغوط، مع التركيز على موضوعات حساسة تتعلق بالعلاقات العائلية والصحة النفسية والهوية الفردية.
ومن بين الأعمال التي شاركت فيها الورشة مسلسلات مثل “خلي بالك من زيزي” و”ليه لأ” بأجزائه و”مين قال”، وهي أعمال حاولت كل منها بطريقتها طرح أسئلة تتعلق بالأسرة المعاصرة، سواء عبر مناقشة صراعات المراهقين، أو الضغوط الاجتماعية التي تحكم العلاقات العائلية.
يمكن قراءة “اللون الأزرق” كامتداد لهذا الخط، فكما تناول “خلي بالك من زيزي” اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) من خلال امرأة تكتشف في مرحلة متأخرة أن سلوكياتها التي عانت منها طوال طفولتها ومراهقتها لها تفسير واضح، يقترب “اللون الأزرق” من مساحة مشابهة لكنها أكثر قتامة، هي تجربة أسرة تعيش مع طفل مصاب بطيف التوحد.
في العملين لا تطرح هذه القضايا بوصفها تفصيلة درامية عابرة، بل تستخدم كعدسة لإعادة النظر في العلاقات الأسرية نفسها، ففي “خلي بالك من زيزي” يتحول التشخيص إلى وسيلة لفهم الذات وإعادة قراءة الماضي، بينما يصبح المرض في “اللون الأزرق” محورا لصراع يومي مع المجتمع ومؤسساته.
بين “اللون الأزرق” و”خلي بالك من زيزي”
مع ذلك، لا تبدو المقارنة بين “خلي بالك من زيزي” و”اللون الأزرق” في مصلحة العمل الأحدث، فبينما نجح “خلي بالك من زيزي” في الوصول إلى جمهور واسع بفضل إخراج جعل قصة قد لا تمس جميع المتفرجين جماهيرية وقابلة للتعاطف، وأبهر بحيويته وخطوطه الفرعية المحكمة، يميل “اللون الأزرق” أكثر إلى الدراما المباشرة والانفعال الزائد.
يظهر هذا الفارق بوضوح في مستوى التمثيل، إذ تعتمد كثير من المشاهد على تعبيرات مبالغ فيها بدلا من بناء الحالة النفسية للشخصيات بشكل تدريجي. وفي حين نجح المخرج كريم الشناوي في “خلي بالك من زيزي” في خلق عالم يومي مقنع تتحرك فيه الشخصيات بسلاسة، يميل “اللون الأزرق” إلى إبراز الصراع بشكل صريح، مما يجعل الفكرة الإنسانية التي يحملها أقل تأثيرا مما كان يمكن أن تكون عليه لو قدمت بقدر أكبر من الاقتصاد وبمسافة أقل من المباشرة.
يضاف إلى ذلك أن السيناريو، رغم حساسية الموضوع، يقع أحيانا في فخ الشخصيات النمطية التي تتحرك وفق وظائف درامية واضحة أكثر مما تتحرك كشخصيات معقدة لها دوافع وتناقضات.
في المحصلة، يبدو “اللون الأزرق” خطوة متراجعة إذا ما وضع في سياق الأعمال التي قدمتها ورشة “سرد” خلال السنوات الماضية، فالفكرة التي ينطلق منها العمل تحمل في ذاتها إمكانات درامية وإنسانية كبيرة، لكنها لم تستثمر بالكامل على مستوى التنفيذ.
