من أكثر اللحظات إثارة في حفل جوائز الأوسكار 2026 كانت غياب النجم شون بن الذي حصل على أوسكار أفضل ممثل في دور ثاني عن دوره في فيلم One Battle After Another، بالرغم من أن هذا الغياب كان متوقعاً نظراً لمواقف بن المماثلة خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك كان كثير من المعجبين به يأملون في حضوره ليستمعوا إلى إحدى خطبه السياسية الحادة، التي دائماً ما تثير الجدل والخلاف. ولكن شون بن بغيابه كان أكثر حضوراً من كثير من الحاضرين.

في صحبة الأساطير

بفوزه بهذه الجائزة يصبح لدى شون بن 3 تماثيل أوسكار ليتساوى بذلك مع جاك نيكلسون ودانيال داي لويس ووالتر برينان (الذي فاز بأوسكار أفضل ممثل في دور ثاني 3 مرات متتالية خلال النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي!) من الرجال، وميريل ستريب وإنجريد بيرجمان من النساء. ومع حصوله على 3 ترشيحات أخرى للأوسكار لم يفز فيها، لا يتبق لبن سوى أن يفوز مرة رابعة ليعادل الرقم القياسي الذي حققته كاترين هيبورن، متربعاً على العرش معها.

كل الأسماء السابقة من أساطير وأيقونات التمثيل في العالم، وكلهم، بجانب موهبتهم الفذة، من النجوم المحبوبين الذين يحظون بشبه إجماع شعبي على تقديرهم ومحبتهم، مع ذلك يبدو شون بن غريباً بينهم. 

الغريب

يبدو شون بن غريباً، ليس لإنه يقل عن أي منهم موهبة، على العكس فقد قدم شون بن من أوراق اعتماده كممثل من الطراز الثقيل الكثير من الأدوار الصعبة، المختلفة، والتي برع فيها جميعاً.

ودوره الأخير في One Battle After Another في شخصية الكولونيل ستيفن جي لوكجو، يثبت قدرته الحربائية على التقمص واستبدال، ليس فقط ملامحه الخارجية، ولكن بواطنه العقلية والنفسية، بملامح وبواطن الشخصية التي يؤديها.

إن جسده يتحول إلى جسد الضابط المهووس بنفسه وعضلاته وتصفيفة شعره الحليق، وطريقته في السير، العسكرية، ولكنها بفتح الحوض على مصراعيه في كل خطوة، تعكس أيضاً مشاكله الجنسية ورغبته في التوسع ونشر هيمنته من حوله، والتي تعكس، أكثر من ذلك، هوس مؤسسته العسكرية كلها، وبلده بالهيمنة.

وفي أحد المشاهد الجريئة في الفيلم تنعكس طريقته في المشي هذه على علاقته بالمرأة ذات الأصول الإفريقية الثورية التي يفتن بها جسدياً، ويرتبط افتتانه هذا بالسلاح تحديداً، بسلاحها الذي يبتلعه جسده!

السياسي

ومثلما هو الحال في معظم أعماله، يتميز شون بن عن معظم ممثلي هوليوود باختياره “السياسي” لأعماله: السياسي بالمعنى الأشمل للكلمة، أي تلك الأفلام التي تقول شيئاً مهماً وتقدمياً عن المجتمع الذي يعيش فيه، وهو يحمل الشخصيات التي يؤديها بهذا الثقل الفكري والسياسي الذي يحمله، وإذا كان ذلك واضحاً في One Battle.. كمضمون عام للفيلم، ثوري وفوضوي وضد كل أشكال السلطة الامبريالية والاستبداد والعنصرية البيضاء، فإن هذا المعنى يصل للمشاهد عبر شون بن تحديداً، خادم المؤسسة وكلب حراستها الأمين، الذي يتم العصف به وإلقاءه في “الزبالة” حرفياً عندما يفكر مرة في كمخالفة هذه العنصرية بإقامة علاقة مع امرأة من ذوي الأصول الإفريقية!

مهما كان حجم ونوع الدور الذي يؤديه، يستطيع شون بن أن يجعله أكثر من مجرد تشخيص لرجل واحد، وهو عادة يختار الأدوار التي يستطيع فيها أن يعبر عن فكرة، وعن تناقض ما يعكس النفس البشرية، هذا التناقض يظهر في شخصية لوكجو السادوماسوشية، التي تحمل القوة والضعف معاً، العدوانية والاستعداد للتعرض للعدوان.

ومن يشاهد بعض أدوار شون بن، يمكنه أن يجد الكثير من هذه التعقيدات في اختياراته: على سبيل المثال شخصية الطبيب العبقري المجنون، القاتل والعالم، في فيلم The Professor And The Madman، شخصية رجل العصابات ميكي كوهين في فيلم Gangster Squad، جاك في The Tree Of Life، الدكتور المريض الذي يزرع له قلب جديد ويسعى للتعرف على أرملة الشخص الذي حصل على قلبه في فيلم 21 Grams، وهذه فقط بعض الأدوار التي لم يحصل على، أو يرشح عنها، للأوسكار.

المخرج والمؤلف

شون بن ممثل كبير إلى درجة أن الكثيرين ينسون أنه أيضاً مخرج ومؤلف سينمائي، له العديد من الأعمال شديدة التميز، من أجمل هذه الأعمال وأكثرها أسلوبية وفنية فيلمه الأول كمخرج The Indian Runner، 1991، وفيلم The Pledge الذي لعب بطولته جاك نيكلسون، وفيلمه القصير المذهل United States Of America، الذي صنعه ضمن عدة أفلام لمخرجين عالميين مختلفين (منهم يوسف شاهين) عن أحداث 11 سبتمبر، وهو أجرأ هذه الأفلام وأكثرها انتقادا لأميركا، حيث يعتبر أن ماحدث كان شيئاً جيداً يدفع الأميركيين إلى الوعي بالظلم والظلام الذي يعيشون فيه.

لم يكن من الغريب إذن، أن يغيب شون بن عن حفل الأوسكار، فمواقفه السياسية والإنسانية كثيرة ومعروفة، وهو قد تغيب مؤخراً عن حفلات الجوائز السابقة، ومنها البافتا ورابطة الممثلين، اللتين فاز فيهما بالجائزة نفسها، كما غاب عن عدد من حفلات الأوسكار من قبل، وأعلن منذ 3 سنوات مقاطعته لحفلات الأوسكار اعتراضاً منه على رفض أكاديمية وعلوم السينما السماح للرئيس الروسي فلوديمير زيلنسكي بإلقاء كلمة في الحفل.

شون بن، فوق كونه ممثلاً وصانع أفلام عظيماً، هو ناشط سياسي بارز، شجاع وحاد في آراءه إلى درجة مزعجة لليمين المتطرف والمحافظين بشكل عام، ولذلك ربما تمنى معجبوه أن يأتي لحفل الأوسكار، فقط ليقول شيئاً عن سياسات إدارة ترامب الداخلية والخارجية، في زمن يحتاج فيه العالم إلى كلمة شجاعة.

* ناقد فني