لم يكن إعلان الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، بدء عملية برية “محددة الأهداف” في جنوب لبنان مفاجئاً بالكامل. فخلال الأيام القليلة التي سبقته، بدت الجبهة الجنوبية وكأنها تتحرّك تدريجياً نحو تلك اللحظة.

على امتداد الحدود، تكثّفت التحركات العسكرية الإسرائيلية بصورة لافتة، مع تدفّق تعزيزات إضافية إلى المنطقة، ترافق ذلك مع استمرار القصف الجوي والمدفعي الذي استهدف عدداً من البلدات الحدودية.

وفي الميدان، لم يعد المشهد يقتصر على الضربات من بعيد. فقد شهدت نقاط حدودية عدة توغلات محدودة داخل الأراضي اللبنانية، ترافقت مع اشتباكات مباشرة مع عناصر من حزب الله.

واتسمت التحركات الإسرائيلية حتى الآن بتقدم موضعي هنا، وانسحاب سريع هناك، وسط قصف متبادل، حيث بدت هذه العمليات أشبه باختبارات ميدانية، غير أن إعلان بدء “عملية برية” منح تلك التطورات إطاراً أوضح، وطرح في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً: هل ستبقى العملية ضمن حدودها “الضيقة والمضبوطة”، أم أنها قد تشكل مقدمة لتوسّع ميداني أكبر؟

معارك على عدة محاور

تتواصل الاشتباكات على أكثر من محور في جنوب لبنان، حيث تحاول القوات الإسرائيلية التقدم داخل الأراضي اللبنانية.

ويرى المحلل السياسي الدكتور خالد الحاج في حديث لموقع “الحرة” أن العمليات العسكرية وإطلاق الصواريخ من قبل حزب الله من جنوب الليطاني، رغم إعلان الدولة إخلاء المنطقة من السلاح غير الشرعي، “منحت إسرائيل مبرراً مباشراً للتحرك عسكرياً لإزالة تهديد أمني مرتبط بالحزب”.

وبحسب الوكالة الوطنية للإعلام، حاول الجيش الإسرائيلي، الاثنين، التوغل إلى الأراضي اللبنانية من القطاع الغربي عبر تلة اللبونة ومن محوري رامية ومروحين، ومن القطاع الأوسط عبر محوري عيترون ومارون الراس، كما رصد، الثلاثاء، توغل قوة إسرائيلية إلى أطراف عيتا الشعب، تزامناً مع غارات للطيران الحربي.

في موازاة ذلك، قالت مصادر أمنية لبنانية لـ”رويترز” إن قوات إسرائيلية حاصرت مطلع الأسبوع بلدة الخيام الاستراتيجية في جنوب لبنان، الواقعة على بعد نحو ستة كيلومترات من الحدود مع إسرائيل، مشيرة إلى أنها باتت تسيطر فعلياً على البلدة وتتقدم غرباً باتجاه نهر الليطاني، كما تقدّمت باتجاه بنت جبيل، التي وصفتها بأنها معقل للحزب، والواقعة على بعد نحو أربعة كيلومترات من الحدود.

في المقابل أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 36 انضمت إلى الفرقة 91 والفرقة 146 لتوسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي اللفتنانت كولونيل نداف شوشاني في إفادة صحفية، الإثنين” إن الجنود موجودون في مواقع جديدة لم تكن قواتنا تعمل فيها أمس”.

على الضفة الأخرى، أشار الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إلى أن الحزب “يقاتل بتكتيكات متحركة من دون أن يكون هناك تمركز ثابت”، ومعتبراً أن “الاجتياح البري سيكون فشلاً”.

من جهته، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن “حزب الله مشكلة كبيرة ويتم التخلص منها”.

حدود التوغل الإسرائيلي

رغم وصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس العملية بأنها “محددة”، فإن ذلك لم يبدد القلق في لبنان من احتمال تحوّلها إلى عمليات أوسع شبيه باجتياح عام 1982، خصوصاً مع توجيه الجيش الإسرائيلي إنذارات متتالية لسكان مناطق جنوب الليطاني والزهراني بإخلاء منازلهم والتوجه شمالاً.

في المقابل، امتنع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي تحديد مدى توغّل القوات داخل الأراضي اللبنانية أو ما إذا كانت ستتمركز في مواقع جديدة، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تقديرات متباينة، بين من يرجّح اقتصار العملية على شريط حدودي محدود، ومن لا يستبعد امتدادها إلى عمق أكبر.

مصدر وزاري لبناني يؤكد لموقع “الحرة” أن “التعامل مع إسرائيل يفرض توقع مختلف السيناريوهات”، مشدداً على أن موقف الحكومة واضح “لجهة رفض أيّ توسيع لرقعة الحرب، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية الصارخة للقانون الدولي الإنساني ولسيادة لبنان وسلامة أراضيه”.

وفيما يتعلق بإعلان حزب الله استعداده لخوض مواجهة طويلة، يكتفي المصدر بالقول إن “الحكومة اتخذت قراراتها”، من دون الخوض في تفاصيل إضافية.

بدوره يعتبر الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن توصيف الجيش الإسرائيلي للعملية بأنها “محددة” لا يمكن التعامل معه بحرفيته.

ويشير ملاعب، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن المعطيات الميدانية تفتح الباب أمام سيناريوهين رئيسيين “أولهما احتمال تقدم القوات الإسرائيلية باتجاه نهر الليطاني وربما إلى ما بعده شمالاً، لا سيما في حال لم تعترضها مواجهة ميدانية فاعلة. ويستدل على ذلك بسلسلة الإنذارات التي طالت عشرات القرى بين الزهراني والليطاني، مرجحاً ارتباط هذا المسار أيضاً بعوامل استراتيجية، من بينها الموارد المائية”.

أما السيناريو الثاني، فيرتبط كما يقول “بقدرة حزب الله على خوض مواجهة طويلة الأمد”.

بين القلق والنزوح

بعيداً عن الحسابات العسكرية، يعيش سكان المناطق الجنوبية مستقبلاً ضبابياً في ظل التصعيد المتواصل. فقد صرّح كاتس، بأن اللبنانيين الذين أجبرتهم العمليات العسكرية على النزوح لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم حتى يتحقق الأمن لسكان شمال إسرائيل.

هذا الواقع يثير مخاوف متزايدة من احتمال بقاء القوات الإسرائيلية داخل هذه المناطق، وتتعزز هذه الهواجس مع تقارير إعلامية إسرائيلية أفادت بأن القيادة السياسية صادقت على خطة تقضي بهدم الصف الأول من المنازل في القرى اللبنانية المحاذية للحدود.

وفي السياق، يحذر ملاعب من أن “أيّ تقدم بري قد يترافق مع اعتماد سياسة الأرض المحروقة أي تدمير واسع للقرى والبنى التحتية”، مشيراً إلى أن “توسيع منطقة الدفاع الأمامية يعني عملياً تدمير كل ما يقع ضمن نطاق العمليات”، ولا يستبعد أن تمتد التداعيات إلى قرى ذات غالبية مسيحية حتى وإن لم تكن منخرطة في القتال.

من جانبه يشير الحاج إلى أن “القرى ذات الغالبية الشيعية هي الأكثر تضرراً، نتيجة تداخل نشاط الحزب العسكري مع جغرافيتها، ما جعلها عرضة مباشرة للتصعيد وأدى إلى موجات نزوح واسعة. في المقابل، بقيت مناطق أخرى تضم مكونات سنية ومسيحية ودرزية إلى حد كبير خارج دائرة المواجهات، بفعل اتصالات دبلوماسية هدفت إلى تحييدها”.

ويتساءل الحاج عن تداعيات المرحلة المقبلة على التوازنات الديموغرافية في الجنوب، وما إذا كانت التحولات التي يفرضها الواقع العسكري ستترسخ أم تبقى مؤقتة.

حرب مفتوحة أم محدودة؟

في ضوء هذه التطورات، يطرح مراقبون احتمالين رئيسيين: إما أن تكون العملية البرية خطوة تكتيكية محدودة تهدف إلى تحسين شروط التفاوض حول ترتيبات أمنية على الحدود، أو أنها تمثل مرحلة جديدة من المواجهة ستعيد رسم المشهد العسكري في جنوب لبنان.

وفي هذا السياق، توقّع مسؤولان إسرائيليان، الأحد، لوكالة “رويترز“، إجراء محادثات مع لبنان خلال الأيام المقبلة للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار يفضي إلى نزع سلاح حزب الله.

لكن مصدراً لبنانياً مطّلعاً استبعد عقد هذه المحادثات قريباً، “وإن كانت ستعقد في نهاية المطاف”.

من جهته، قال سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون إن “بعض الأطراف تحاول التوسط لاستضافة المحادثات”، مضيفاً “أعتقد أن الخطوة التالية ستكون المحادثات، ولكن علينا أولاً ⁠إضعاف قدرات ​حزب الله”.

في المقابل يرفض حزب الله مبادرة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف للتفاوض المباشر مع إسرائيل في محاولة لوقف الانزلاق نحو حرب أوسع. وأكد أمين عام الحزب نعيم قاسم أن الكلمة للميدان، داعياً الحكومة إلى “وقف التنازلات المجانية لأنها تطيل أمد الحرب” بحسب قوله.

وبشأن الطرح الذي قدّمه رئيس الجمهورية لفتح مسار تفاوضي، يوضح المصدر الوزاري أن ما عُرض يشكّل “خارطة طريق للبدء بالعمل”، مضيفاً إن “الصورة لا تزال غير مكتملة حيال موقف الطرف الآخر، رغم وجود بوادر لتسمية ممثل للتفاوض من جانب إسرائيل، من دون أن تنضج التفاصيل بعد”.

وعن مصير خطة حصر السلاح، يشير المصدر إلى أن الأولوية في هذه المرحلة تنصبّ على “وقف إطلاق النار، ومعالجة أزمة النزوح التي تشكّل كارثة إنسانية”، لافتاً إلى أن “الحكومة تتجنب الدخول في سجالات داخلية في ظل التصعيد القائم”.

ومن جانبه، يعتبر الحاج أن الجهود الدبلوماسية، على كثافتها، “تصطدم بغياب الحزب عن أيّ مسار تفاوضي، بوصفه الطرف الفاعل ميدانياً، في ظل عجز الدولة عن فرض قرارها السيادي عليه وارتباط قراره بإيران”. ويشدد على أن “هذه المعضلة تقوّض فرص معالجة ملف السلاح، خصوصاً بعد محاولات استمرت أشهراً من دون نتائج حاسمة، ما يثير شكوكاً دولية حول قدرة الدولة على تنفيذ أي التزامات جديدة”.

وبحسب الحاج، فإن “المسار العسكري مرشّح للتقدّم على المسار التفاوضي، على أن تأتي أي مفاوضات لاحقاً مرتبطة بنتائج الميدان”.