عمل للفنان الإيراني أفشين بيرهاشمي (غاليري أيام)

في هذه اللحظة التي يتحول فيها التوتر الإيراني الغربي إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، تبدو العودة إلى ما أنجزه الفنانون الإيرانيون ذات دلالة خاصة. فالصراع الذي تصاعد اليوم كان حاضراً منذ عقود في اشتباك مع صورة الآخر الغربي داخل الأعمال الفنية ضمن مستويات مركبة؛ تكريس أدوات الحداثة في الفن المعاصر ونقدها في آن، في بلد عاش انفتاحاً نحو الغرب لعقود طويلة قبل انغلاقه بعد 1979، وحضور الفن في داخل البلاد وفي المنفى، ما فرض تعقيداً في مساءلة حضور هذا الآخر في الوعي الإيراني.

يبدو هذا المسعى حاضراً بقوة في تجربة الفنان أفشين بيرهاشمي (1974 – 2024)، وخاصة في تجربته الأخيرة التي عرضها تحت عنوان “هل تحتفظ بالسر؟” (غاليري أيام – دبي 2021)، حيث يتأمل الفنان التوترات الداخلية للمجتمع الإيراني، ويدفع شخصياته إلى تماس مباشر مع أيقونات الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. فزجاجة كوكاكولا المختزلة إلى شعارها الأشهر، المستعادة من إرث آندي وارهول البصري، تظهر هنا رمزاً لهيمنة ثقافية، يتجاور في لوحاته مع العلم الأميركي والبيت الأبيض كخلفيات مشهدية. هذا الاشتباك يقدم عبر بناء تصويري فوتوغرافي الدقة، يتسرب إليه مزيج من اللون والخطوط المرسومة والنصوص المكتوبة. 

تجربة بيرهاشمي لا تبدو استثناءً في المشهد الإيراني، إذ تندرج ضمن تقليد بصري تشكّل خلال العقود الأخيرة، حيث صار الآخر الغربي مادة اشتغال أساسية لدى جيل من الفنانين الذين عاشوا تأثير العولمة من داخل المجتمع الإيراني، بكل ما فيه من تناقضات بين المحلي والعالمي. فمنذ التسعينيات، ومع اتساع فضاء الصورة العابرة للحدود، تحوّلت الأيقونات الغربية، من نجوم السينما إلى شعارات الشركات متعددة الجنسيات، إلى عناصر قابلة لإعادة التوظيف داخل خطاب نقدي أو تأملي. كان هذا التوظيف محاولة لتفكيك هذه الصور وإعادة تركيبها من منظور محلي. فحين يعيد الفنانون الإيرانيون استخدام هذه الأيقونات داخل سياقاتهم الخاصة، فهم لا يكشفون فقط ارتباك مجتمعهم في التعامل مع هيمنة الصورة الغربية، بل يبيّنون أيضاً أن تلك الهيمنة نفسها ليست مطلقة، وأن رموزها قابلة لإعادة القراءة والتأويل.

تحوّلت الأيقونات الغربية إلى عناصر للتوظيف داخل خطاب نقدي

يظهر هذا التداخل بين المحلي والعالمي بوضوح في أعمال شادي غاديريان التي اشتغلت منذ أواخر التسعينيات على تفكيك صورة المرأة الإيرانية في علاقتها بالحداثة الغربية. في سلسلتها “قاجار”؛ اسم سلالة حكمت إيران بين عامي 1779 و1925، تستعير الفنانة الهيئة البصرية لصور نساء القرن التاسع عشر، لكنها تُدخل إلى المشهد عناصر حديثة مثل علب المشروبات أو أجهزة التسجيل، فينشأ تصادم زمني بين حقبتين. يتسلل أثر الغرب هنا إلى الفضاء الخاص، بوصفه علامة على زمن معولم يعيد ترتيب طبقات الهوية من الداخل. 

غير أن الصورة تتخذ منحى مختلفاً حين ننتقل إلى فنانين إيرانيين يعملون من خارج إيران. فالموقع الجغرافي هنا لا يغيّر فقط طبيعة الاشتباك مع الغرب، بل يضع الفنان في مواجهة مباشرة مع متلقٍ غربي. هذا المتلقي ليس محايداً، فهو يحمل توقعاته وصوره النمطية عن إيران، مما يخلق علاقة جدلية معقدة. فالفنان لم يعد حراً في مخاطبة مجتمع يعرف تفاصيله من الداخل فقط، بل يجد نفسه مضطراً للتعامل مع هذه التوقعات، إما بمقاومتها أو باستدراجها أو بكشف آليات اشتغالها. تنشأ هنا مساحة رمادية تراوح بين الرغبة في تفسير إيران للآخر، ومساءلة الصورة التي كوّنها هذا الآخر عنها. ومن أبرز من اشتغل على هذه المفارقة الفنانة شيرين نشأت.

تتعامل نشأت مع الصورة من موقع مختلف، بوصفها فنانة عاشت طويلاً في الولايات المتحدة، تشتغل على تمثيل الجسد الإيراني داخل فضاء عرض غربي. في أعمالها الفوتوغرافية والفيلمية، كما في سلسلة “نساء الله”، تستخدم الخط الفارسي والنص الشعري والحجاب عناصر جمالية مركبة، تتحدى التوقعات السائدة عن المرأة المسلمة. ويتخذ هذا الاشتباك شكلاً مختلفاً في أعمال فرهاد موشيري (1963-2024)، الذي يستعير عناصر من الثقافة الاستهلاكية العالمية ليعيد توظيفها داخل لغة بصرية إيرانية. في لوحاته تظهر كلمات إنكليزية مثل “Love”، أو إشارات إلى علامات تجارية معروفة، منفذة بمواد لامعة كالكريستال أو التطريز، ومجاورة لزخارف شرقية مألوفة. هذا المزج بين مفردات محلية وأخرى قادمة من ثقافة البوب الأميركية يضع المتلقي أمام إشكال تأويلي متعلق بتوظيف الفنان لهذه الجاذبية السطحية. هذه الازدواجية، التي تترك العمل الفني معلقاً بين النقد والافتتان، هي بالضبط ما يجعله معبّراً عن علاقة المجتمع الإيراني بالغرب، حيث تتشابك الدهشة الجمالية مع الريبة في لحظة واحدة.

تتشابك الدهشة الجمالية مع الريبة في لحظة فنية مركبة

وإذا كان موشيري يشتبك مع الغرب عبر رموزه الاستهلاكية، فإن فنانين آخرين يقتربون من هذا الاشتباك عبر اللغة البصرية ذاتها. فبدلاً من استعارة العلامات التجارية أو الكلمات الأجنبية، يتجه آخرون إلى الأساليب التي تشكّلت داخل الثقافة البصرية الغربية، كما في تجربة الفنان خسرو حسن زاده (1963–2023). في أعماله، يستحضر زاده شخصيات من الحياة الإيرانية اليومية، مثل المصارعين الشعبيين أو رجال الدين أو الجنود، لكنه يقدمهم بأسلوب بصري قريب من الملصقات الدعائية وفن البوب الغربي. هذا الجمع بين موضوعات محلية ولغة بصرية مألوفة في الثقافة الغربية يخلق نوعاً من المفارقة. فالصورة التي قد تذكّر في شكلها بإعلانات هوليوود أو ملصقاتها، تحمل في داخلها شخصيات مرتبطة بتاريخ وتجربة إيرانية خاصة. ومن خلال هذا المزج، يبيّن الفنان أن الأساليب البصرية الغربية لم تعد حكراً على موضوعاتها، بل صارت قابلة لاحتضان حكايات من سياقات أخرى.

وفي حين يوظف حسن زاده لغة البوب الغربية لتمثيل شخصيات من الواقع الإيراني، فهناك آخرون منشغلون بإعادة قراءة الصور والرموز القادمة من الثقافة البصرية الغربية نفسها. بين هؤلاء مثلاً يبرز الفنان شهرام انتخابي الذي يتناول العلاقة المعقدة مع الغرب من زاوية مختلفة، مرتبطة بتجربة الهجرة والعيش في المدن الأوروبية. ففي مشاريعه المفاهيمية، يستعير عناصر من الفضاء الحضري الأوروبي أو من الخطاب العام حول الهوية والاندماج، ليعيد وضعها في سياق يكشف توتر العلاقة بين المركز الأوروبي والوافدين إليه من ثقافات أخرى. هنا لا يظهر الغرب مجرد رمز ثقافي داخل العمل الفني، بل واقعاً يومياً يختبر فيه الفنان أسئلة الانتماء والاغتراب وحدود الهوية في عالم معولم.