أبوظبي (الاتحاد)

يُشكّل كتاب «خرج ولم يعد» رحلة بصرية ومعرفية تغوص في عوالم الفنان الإماراتي المفاهيمي الرائد عبد الله السعدي. ويأتي هذا الإصدار النوعي ثمرة تعاون ثقافي بين «مؤسسة الشارقة للفنون» و«كاف للكتب»، مقدماً قراءة فاحصة لنتاج السعدي الغزير، الذي يتنوع ما بين الرسم، ومنحوتات المواد الملتقطة، وأعمال الأداء، وفن الأرض، والأعمال التركيبية، ليضع القارئ أمام تجربة إنسانية وفنية تتجاوز الحدود التقليدية للمرسم. 
يتمحور الكتاب حول فكرة «الحركة والسفر» كمنهجية إبداعية وممارسة طقسية صبغت أسلوب حياة السعدي؛ يتتبع العمل التأثيرات المتبادلة بين الفنان والمشهد الطبيعي، راصداً «النزعة الجوالة» التي بدأت من هجرات الفنان الموسمية ورحلاته عبر جبال الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وامتدت لتصل إلى أقاصي الأرض في البرازيل واليابان والقارة القطبية الجنوبية. يستكشف الكتاب كيف تحولت هذه الرحلات إلى سياقات زمانية ومكانية ولّدت مشاريع فنية فريدة، حيث يصبح السفر بذاته عملاً فنياً مستمراً. 
ما يميز هذا الإصدار هو كشفه عن مواد غير منشورة سابقاً من أرشيف السعدي الخاص؛ بما في ذلك «كراسات الرسم»، و«الكتب الفنية»، و«المفكرات اليومية»، و«مذكرات السفر»، هذه المواد تمنح القارئ فرصة نادرة لفهم الفضاءات الإبداعية للفنان، وتكتمل هذه الصورة بتأملات نقدية وعلمية، وحوار معمق مع السعدي، ومادة نقدية مترجمة تحلل ممارساته من منظور عالمي. 
الكتاب ترك أثراً وحالة إبداعية توّضح أن السعدي كفنان «غير تقليدي» يعمل خارج الأطر الكلاسيكية، مستكشفاً الروابط المتينة بين ممارساته الفنية المعاصرة وبين فن الصخور المتوارث عبر الأجيال في شبه الجزيرة العربية، وبالنظر إلى علاقته التاريخية بالشارقة وتعاونه المديد مع مؤسسة الشارقة للفنون، يعاين الكتاب أوجه التشابه بين منهجه الفني والمعارف المحلية المتوارثة القائمة على التفاعل الحي مع الأرض. 
جاء الكتاب بتحرير كل من حور القاسمي وأحمد مكية، وضم مساهمات بحثية ونقدية قيمة لكل من ميثاء المزروعي والراحل أحمد راشد ثاني، مما يجعله وثيقة تاريخية تؤرخ لتحولات الفن المفاهيمي في المنطقة.