على امتداد أيام الشهر الفضيل، يترسخ حضور نجوم الدراما في العالم العربي، ليس من خلال أداء الأدوار فحسب، بل عن طريق قدرتهم على أسر وجدان المشاهدين، وجذبهم إلى حرارة الماراثون الرمضاني المتجدد الذي تشتد فيه المنافسة، وتعلو فيه قيمة الحكاية، ليتحول كل ظهور إلى اختبار حقيقي لقوة الحضور وصدق الأداء وثبات الموهبة، في حين لا يقاس الموسم الرمضاني بعدد الأعمال المعروضة، بل بقدر ما يثيره من شغف وترقب ومتابعة يومية تتصاعد حدتها مع كل حلقة.
وفي هذه المساحة، تطل «الإمارات اليوم» برصد لأبرز الأعمال الرمضانية، لتتوقف عند أهم ما تقدمه الدراما المحلية والخليجية والعربية من تجارب لافتة، مسلّطة الضوء على الأدوار التي استأثرت بانتباه الجمهور، بعمق أدائها وخصوصية حضورها، وقدرة ممثليها على تجسيد كل شخصية بصدق واقتدار.
قرار فني شجاع، اتخذته النجمة هدى حسين بقلب الطاولة على التوقعات الجماهيرية كافة، فبعد سنوات من تربعها على عرش أدوار «المرأة الحديدية» ذات السطوة والنفوذ، تخلت الفنانة – طواعية – عن عباءة الشخصيات الفولاذية، لتغوص في منطقة درامية شديدة الدفء والهشاشة الإنسانية في تجربة مسلسلها الرمضاني الأخير «الغميضة» للمؤلفة الكويتية هبة مشاري حمادة والمخرج علي العلي، لتعود إلى أحضان الدراما العائلية التي باتت وجبة أساسية في دراما الشهر الكريم، من خلال شخصية «وداد»، الأم والخياطة الكفيفة التي تعيش في حقبة السبعينات، في تحول درامي فارق تكرسه النجمة هذه المرة، ليس في ملامح الشخصية فحسب، بل عبر قرارها الانسلاخ المدروس من قوالب المواجهات القاسية، للاحتفاء بألق الروابط الأسرية في مواجهة التقلبات.
«نوستالجيا» السبعينات
من أبرز نقاط الجذب في مسلسل «الغميضة»، ذلك الفضاء الزمني الذي يشكل بطلاً موازياً ومؤثراً في صيرورة وتطور الأحداث وذلك، بعد أن نجح المخرج في توظيف الديكورات والأزياء والمناخ الاجتماعي الكويتي السبعيني عموماً، لخلق حالة بصرية ونفسية من الحنين أو «النوستالجيا»، ففي هذا الفضاء الدافئ الذي يعيدنا إلى حقبة الزمن الجميل، يروي العمل قصة «وداد الضريرة» التي تدير ماكينة الخياطة بإيقاع منتظم ونسق مستمر، لتساند زوجها «صالح»، الذي يجسده الفنان القدير عبدالرحمن العقل.
وخلافاً للصور النمطية التي تبرز التفكك وتنتصر لديناميكية الصراعات، يقدم العمل نموذجاً مغايراً للأسرة المتآلفة التي تسودها مشاعر الإخلاص والالتزام والمحبة، فشخصية «صالح» في العمل لا تعكس نمط الأب القاسي أو الغائب، بل تكرس أبهى صور الزوج الحنون والمتفاني الذي يصغي لنصائح زوجته ويثق بها ثقة عمياء، ما يخلق شبكة أمان عاطفية متينة داخل جدران منزل وداد المتواضع، ويدفعها بصدق وإخلاص، إلى السعي اليومي النبيل لإسعاد أسرتها وأبنائها، حماتها المسنة وأختها «حنني» والسهر على أدق تفاصيل حياتهم البسيطة، في زمن كانت فيه القناعة والروابط الأسرية، أساس السعادة ومرتكزها الأهم.
فلسفة «الغميضة»
يحمل اسم العمل «الغميضة»، دلالة فلسفية عميقة تتجاوز فكرة فقدان البصر الجسدي لشخصية البطلة، حيث لا يتعلق الأمر هنا بعمى البصيرة أو التغاضي عن الأخطاء، بل يترجم إسقاطاً ذكياً على لعبة الحياة ذاتها واختبارات القدر، إذ تتمثل لعبة «الغميضة» في أن ندير ظهرنا للدنيا ونغمض عينينا، ثم نفتحهما فجأة لنكتشف ما خبأه لنا القدر، متسائلين عما إذا كانت الحياة قد منحتنا ما تمنينا، أم أن الواقع جاء مغايراً لأحلامنا وتوقعاتنا.
بهذه الاستعارة الدرامية، نجحت الكاتبة في تقديم شخصية «وداد» التي تعيش الحياة بفلسفتها الخاصة متلقية صفعاتها حيناً ومفاجآت حيناً آخر، برحابة صدر وقناعة عالية، مندمجة في واقع أسرتها، ومحتضنة الجميع بحنان ووعي بالغين، لتشكل في نهاية المطاف، الركيزة العاطفية الصلبة التي يستند عليها جميع أفرادها.
واقعية الطرح
على الصعيد الأدائي، قدمت هدى حسين تجربة فنية «رفيعة المستوى» في فنون التلون الأدائي الحقيقي، بتنقلها بسلاسة واحترافية بين طبقات شخصية وداد ذات الإعاقة البصرية دون الانزلاق في فخ الكليشيهات المصطنعة، متملصة – بوعي شديد – من أدوات الممثل التقليدية في هذا النوع من الأدوار، لطرح تجربة الأم التي اندمجت كلياً مع إعاقتها البصرية القديمة، فحفظت تضاريس منزلها ومخابئ أدوات مطبخها وحتى مكان ماكينة خياطتها عن ظهر قلب، لتتحرك بسلاسة وحرية واضحة بين مساحات البيت. هذا الأداء الواقعي الذي أربك في البداية المشاهد لعدم إدراكه حقيقة عماها، خدم بشدة رسالة العمل لاحقاً، وذلك، بعد أن شكل عجز «وداد» البصري «العين الحارسة» لكل من حولها.
موهبة راسخة
رغم هفوات النص ومعاناته من انزلاقات بنيوية ومنطقية واضحة أربكت تماسك الأحداث، نجحت هدى حسين في «الغميضة» في تكريس تحول جريء ونوعي في خياراتها الفنية والقفز خارج إطار النمطية، لتعيد بناء هويتها الفنية بصورة أم كفيفة، تبصر بقلبها كل الجمال المتبقي بالعالم من حولها، وتواجه لعبة القدر متسلحة بحب زوجها وأسرتها، مثبتة كل مرة، أنها رقم صعب وموهبة راسخة الحضور في الدراما الخليجية.
. بعد سنوات من تربعها على عرش أدوار «المرأة الحديدية» ذات السطوة والنفوذ، تغوص النجمة في منطقة درامية شديدة الدفء والهشاشة الإنسانية.
. قدمت هدى حسين تجربة «رفيعة» في فنون التلون الأدائي الحقيقي دون الانزلاق في فخ الكليشيهات المصطنعة.
![]()
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
Share
فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App
