من أخطر ما يواجهه الإنسان في رحلته ، ان بتعامل مع اناس مثل نرجس . لهم قدرة فائقة على تبرير ظلمهم لأنفسهم وللآخرين. نحن أمام حالة نفسية شائعة تسمى “الانفصال عن الحقيقة”، حيث يبرع المرء في اختلاق “رواية نبل” زائفة ليغطي بها على “جريمة فعل” يرتكبها بدم بارد، والهدف دائماً هو الحفاظ على صورة “البطل” أو “الضحية” أمام مرآة الذات..وللآخرين


تجسد شخصية “نرجس” في الدراما هذا الانفصال في أبشع صوره؛ فهي حين تصر على أن الطفل المخطوف هو ابنها، وأنها لم ترتكب جرماً بل “أنقذته” لتربيه بشكل أفضل، لا تكذب علينا نحن المشاهدين، بل تكذب على مرآتها الخاصة. لقد استبدلت حقيقة “الخطف” بمفهوم “الإنقاذ” لتتمكن من النوم ليلاً دون أن تطاردها صرخات الأمهات الثكالى. إنها الكذبة التي تبدأ كطوق نجاة، لكنها تنتهي كسجن مؤبد يعزل صاحبه عن الواقع. لقد حولت نرجس الوهم إلى حقيقة موازية، سكنت داخلها وصدقتها حتى غابت عنها ملامح الحق والحقيقة هذا المنطق الملتوي يمتد ليتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية بأقنعة مختلفة؛ فنجده في نموذج “المدير” الذي يهضم مجهود موظفيه مقنعاً نفسه بأنه “يصقل مهاراتهم والالتفاف علي حقوقهم  مقنعا نفسه بأنهم حفنة من الطماعين  والاغبياء وهو الذكي الوحيد ، وفي نموذج “الرجل ” الذي يبرر عهره وخسته مع  زوجته بـمليون مبرر  حتي يستطيع النظر في المرآة دون ان يبصق في وجه ،   كلاهما يحتاج لهذا “العيب المخترع” ليشرعن سرقتهم للحقوق، تماماً كما احتاجت نرجس لعيب “إهمال الأهل” لتبرر سرقة أطفالهم.


الأكثر رعباً في هذه النماذج هو ذلك الظالم الذي من كثرة صدقه في تمثيل دور “المقهور” أو “صاحب الحق”، يجعلك تشك في الحقيقة البديهية وتتعاطف معه ضد المظلوم. إنه يعيش داخل الحبكة لدرجة أن نبرة صوته المرتعشة وإيمانه المطلق بزيفه يمنحه “كاريزما الحق”، بينما الحقيقة تقبع خلف قضبان أوهامه التي بناها لبنة لبنة.


يجب أن ندرك أن الجميع يخطئ، فالبشر بطبعهم ليسوا ملائكة، لكن الفطرة السليمة والذكاء  الحقيقي يكمن في الشجاعة النفسية  ومواجهة الخطئ لا تلوينه  أو تزيينه،  في امتلاك القوة للوقوف أمام المرآة والاعتراف بالذنب. الشخص الناجي بفطرته  والناضج هو من لا يبحث عن مبررات واهية تمنحه راحة مؤقتة، لأن هذه التبريرات تسرق منه إنسانيته وبوصلته الأخلاقية للأبد. مواجهة الخطأ هي أولى خطوات الإصلاح، أما الهروب منه خلف جدران “الوهم” فهو ضياع أبدي.


إن الصدق مع الذات هو أقسى مواجهة قد يخوضها البشر، لكنه الطريق الوحيد للنجاة الروحية. فمن عاش في كذبة، مات وحيداً في عالم وهمي لا وجود له، وفقد قدرته على التمييز بين الحق والباطل حتى يقف أمام الحقيقة الكبرى التي لا تجدي معها الروايات المزيفة. لا تجعل براعتك في تبرير أخطائك تقتل قدرتك على إصلاحها، فالسجون التي نبنيها داخل عقولنا هي السجون الوحيدة التي لا تملك مفاتيح للهروب منها