في ثقافة أميركية كثيراً لم تمل فيها السياسة إلى الحسم، لم يكن مستغرباً أن يتحول ممثل محدود الأدوات إلى رمز غير معلن لرؤية كاملة للعالم. لم يحتج نوريس إلى خطاب سياسي صريح، فأفلامه وما تضمره تولت تلك المهمة. في كل مواجهة، كان هناك نظام يجب استعادته، وعدالة ينبغي فرضها، وفرد يتقدم ليقوم بما تعجز عنه المؤسسات. هكذا، من دون تنظير، تشكّلت سردية كاملة عن “المواطن المخلّص”. هذه السردية التقت مع مزاج سياسي واجتماعي أوسع، يثق بالفعل أكثر من الأقوال، ويُعلي من شأن الردع بدل الحوار. لذلك بدا الإعجاب بنوريس لدى شخصيات سياسية متطرفة أمراً منطقياً. فالعالم الذي اقترحه على الشاشة هو نفسه الذي سيجد صداه في خطاب يفضّل الحسم.

مفارقة نوريس الكبرى تكمن في أن حضوره كظاهرة فاق بكثير قيمة أفلامه. فهذه الأعمال، التي يمكن الحديث عن معظمها باقتضاب شديد، لم تُحفَظ في الذاكرة باعتبارها أفلاماً، بقدر ما بقيت كأثر إنفعالي يرافقه وعد دائم بانتصار بسيط وواضح. كان هو الرابط الوحيد بين عوالم متكررة، تتغير فيها الجغرافيا من فيتنام إلى الشرق الأوسط، ولكن تبقى القصة ذاتها.

a57d3ce9-ba6f-4a61-a0e3-5415dbaa6c99.jpg

تشاك نوريس ظاهرة فاقت أفلامه (ملف الفيلم)

العالم بحسب سينما الحركة التي أفرزتها أميركا ما بعد حرب فيتنام، مهما تعقّد، أمكن اختزاله إلى مواجهة مباشرة. هذه الفكرة، التي قد تبدو اليوم ساذجة أو حتى كاريكاتورية، لم تكن في زمنها كذلك، بل انسجمت بعمق مع مناخ سياسي وثقافي كامل. فالعالم الذي اقترحته أفلام نوريس، عالم ثنائي، واضح الحدود، الخير فيه نقي والشر فاضح. نوريس لم يكن بحاجة إلى أن يكون واعياً بهذا كله. لم يكن منظّراً، ولا صاحب مشروع فكري. على الأرجح، تحرك ضمن منطق السوق، مستجيباً لطلب متزايد على هذا النوع من البطولة. ومع ذلك، تحوّل، بلا قصد، إلى وعاء رمزي لمجموعة قيم كاملة: القانون باعتباره قوة، والعدالة عقاب، والفرد بديل عن الجماعة.

أفلام طقسية

في فترة ظهور أشرطة الفيديو، فرضت أفلامه نفسها كممارسة شبه طقسية، تُشاهَد بعيداً من الصالات، وتُعاد حتى يتآكل الشريط داخل آلة التسجيل، كأنها تعويض رمزي عن واقع أكثر قسوةً. بالنسبة إلى كثيرين، لم يكن العنف المعروض عالة، بقدر ما كان شكلاً من أشكال السيطرة المتخيلة على عالم يفتقد إلى السيطرة.

e0e9729f-d43f-43e6-8802-fddc3b2e0a95.jpg

فيلم “مفقود خلال المهمة” حمله إلى فيتنام (ملف الفيلم)

لكنّ ما بدا في لحظة نموذجاً مكتملاً للبطولة، سرعان ما فقد بريقه وانتهى تاريخ صلاحيته. وهذا مع تغيير شروط القوة نفسها: ما عاد الجسد كافياً وما عادت المواجهة المباشرة هي الحل الأكثر إقناعاً. حلّ الذكاء محل العضلات، والتعقيد محل البساطة، وتراجعت الحاجة إلى بطل يختصر العالم في قبضة يد. ومن المفارقات أن هذا التحول لم يُلغِ حضوره، بل أعيد إنتاجه في شكل جديد: ”ميمات“ الإنترنت، حيث القوة نفسها تُستعَاد، ولكن هذه المرة بوعي ساخر.

مع ذلك، تبقى لحظات سينمائية عصيّة على التبديد، وأبرزها مواجهته الاسطورية مع بروس لي في “طريق التنين” (1972). كان الأمر أكثر من قتال، وإنما عرضاً رمزياً لصدام عالمين: شرق متقشف ودقيق، وغرب مباشر وصلب. في ذلك المشهد الصامت تقريباً، تظهر كل عناصر أسطورة نوريس قبل أن تتبلور لاحقاً في صيغ مختلفة. 

كان نوريس يتذكر لقاءه  ببروس لي الذي مهد له طريق السينما، وذلك بعد فوزه بلقب بطولة العالم للكاراتيه عام 1968، مشيداً بانفتاح لي على مختلف أساليب الفنون القتالية، مؤكداً أنه كان يتعلم من كل الأساليب ويصر على أن لكل منها نقاط قوة وضعف. 

5d73c00e-a08a-4aae-91f8-be5669027caf.jpg

القتال مع بروس لي في “طريق التنين” (ملف الفيلم)

لطالما رغب في شخصيات سينمائية تجمع بين الفنون القتالية وشخصيات يمكن الجمهور الإعجاب بها والتماهي معها. وأوضح مراراً أنه كان يركز على تقديم صورة بطولية محددة: شخص لا يبحث عن المشاكل، لكنه قادر على التعامل معها. في إحدى المقابلات، طرح نظرته إلى فيلم الحركة بالقول: “إذا كانت مكتوبة بشكل جيد، فيمكنها أن تروي قصة بفاعلية توازي أي دراما أو قصة رومانسية. المسألة تكمن في الطريقة التي تُقدَّم فيها الأحداث. أنا لا أشجع العنف من أجل العنف… ما يتمسّك به الناس هو فوز البطل في النهاية. ثم إن الأفلام بصرية بطبيعتها، وعندما تحاول التعبير عن الشيء بالكلمات، تخسر الجمهور”. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حتى عشاق تشاك نوريس يعلمون أنه لم يكن ممثلاً عظيماً، ولم يكن حتى ممثلاً جيداً يمكن قياسه بمقاييس الأداء أو التحولات النفسية للشخصية. ولم تصمد أفلامه أمام اختبار الزمن، لكن أثره يكمن في أماكن أخرى، وعلينا ربما مساءلة الجيل الذي تماهى معه، من فتية ومراهقين وشباب “أول طلعتهم” في السبعينيات والثمانينيات، حين أطل عليهم وخاطبهم بلغة العنف الذي يغدو حلاً لكل المصاعب. ولو كان لا بد من توصيف إرثه، فهو ليس إرث سينما بمقدار ما هو أرشيف كامل لفكرة القوة حين تُختزَل إلى أقصى حدودها.

وإذا كانت السينما عادةً ما تُقاس بقدرتها على البقاء في الذاكرة لأطول فترة ممكنة، فإن أفلام نوريس تقدم حالة معاكسة تماماً: تُنسى بسهولة، ولا يكاد المشاهد يتذكر حبكة بعينها، أو حتى خصماً محدداً، لكنه يتذكر الإحساس العام والضربة القاضية التي تأتي في الوقت المناسب دائماً.