من أفضل أعمال النصف الثاني من موسم رمضان الدرامي مسلسل “عرض وطلب”، الذي استطاع جذب جمهوره على مدار حلقاته الخمسة عشر بحبكة مشوقة ممتلئة بالأحداث والتحولات، وبشكل عام فاق التوقعات سواء المتعلقة بنوعه الفني وموضوعه أو بممثليه الذين حقق معظمهم، بفضل أداءهم فيه، محطات مهمة في مسيرتهم.

بداية من الاعلانات الأولى عن المسلسل وعنوانه، الذي يحيل إلى بيع الأعضاء البشرية بمصطلح اقتصادي شائع، مثل المسلسل الذي سبق رمضان مباشرة، والذي حمل عنواناً مماثلاً هو “لا ترد ولا تستبدل” في إشارة إلى الأعضاء التي يتم بيعها أو التبرع بها، بدا الأمر وكأنه مجرد تنويعة أخرى على موضوع  جرى استهلاكه في العديد من الأعمال خلال السنوات الماضية.

بعض هذه الأعمال استخدم تجارة الأعضاء لخدمة الحبكة البوليسية، حيث لا يهم إذا كان المجرمون يتاجرون في المخدرات أو الآثار أو الأعضاء، المهم أنهم مجرمون، وبعض الأعمال الأخرى تناول القضية من زاوية إجتماعية، حيث ترغم ظروف المرض كثيرين  للبحث عن أعضاء بديلة، وقد يدفعون فيها ملايين أو يسافرون إلى الصين وقد يلجأون إلى التعامل مع عصابات تسرق هذه الأعضاء أو تحتال على الفقراء للحصول لشراءها منهم، والفقر، بدوره، يضطر بعض هؤلاء الفقراء إلى بيع عضو من أعضاءهم. 

المنطقة الرمادية

قضية زرع وتجارة الأعضاء لها جوانب كثيرة من الصعب أن يتعرض لها مسلسل واحد: طبي، ديني، قانوني، اجتماعي، نفسي، تجاري وبوليسي. ويركز “عرض وطلب” على المسافة الرمادية المشتركة بين الاجتماعي والبوليسي، ومبدئياً فإن بطلة الحكاية هبة (سلمى أبو ضيف) تتحول من ابنة تبحث عن متبرع بالكلية لأمها المريضة، إلى زعيمة عصابة مصغرة تتاجر بالأعضاء، أو بشكل أدق، تعمل بالوساطة (السمسرة) بين محتاجي الأعضاء، ومحتاجي المال.. ذلك أن سوق تجارة الأعضاء، مثل أي سوق أخرى، هو أيضاً عرض وطلب!

يبدأ المسلسل كدراما اجتماعية ميلودرامية، بهبة، وهي مطلقة شابة من أسرة متوسطة، تعمل كمعلمة، وهي تستميت لكي تحصل لأمها فاتن (سماح أنور) على بائع للكلى، فتتعرض للنصب من قبل شوقي (مصطفى أبو سريع) الذي يطمع فيها كامرأة أيضاً، ولكنها تستعين بأحد جيران منطقتها، سائق التوكتوك كابونجا (علي صبحي) وقريبته الممرضة بالمستشفى خيرية (رحمة أحمد)، وكبير الممرضين شعبان (محمود السراج)، ولاحقاً بالموظف كبير السن ربيع (علاء مرسي) الذي يعمل بحديقة ملاهي للأطفال يقوم باستغلالها لإقامة الراغبين في بيع أعضاءهم، واخيراً بزوجها السابق الدكتور ثابت (محمد حاتم)، جارها والجراح بالمستشفى نفسها، لكي يقوم في النهاية بعملية نقل كلية أحد المتبرعين/ البائعين (شقيق شوقي) مقابل مبلغ كبير من المال.

أزمة طبقية ونفسية

هبة من أسرة متوسطة الحال، تعمل كمعلمة في مدرسة خاصة، مثل أمها التي قضت حياتها كمعلمة، ومديرة مدرسة مشهود لها بالكفاءة، قبل أن تحال إلى التقاعد، وتمرض، ولا تجد الرعاية  الطبية الكافية أو المال اللازم للعملية الجراحية، وفوق ذلك فإن لدى هبة شقيق أكبر من ذوي الهمم، يعاني من متلازمة داون، كما تعاني من شعور ساحق بالذنب والحزن، بعد موت طفلها الوحيد من ثابت، ما أدى أيضاً إلى انهيار زواجهما.

إلى هنا يبدو السيناريو الذي كتبه محمود عزت وكأنه ماضٍ إلى الأبد في مناقشة الهموم العائلية والمادية لأبطاله، خاصة مع تعرفنا على هموم الشخصيات الأخرى، والتي تنتمي لنفس العالم  والطبقة الاجتماعية نفسها. ولكن سرعان ما تتطور الأحداث، فتجمع بين كابونجا وخيرية وربيع الذين يواصلون الإلحاح على هبة بتنظيم فريق صغير يعمل كوسيط بين الراغبين في بيع الكلى، والراغبين في شراءها، ولاحقاً ينضم إليهم شعبان وشوقي، وفي مزيد من التطور يتبين أنهم مجرد قارب صغير في بحر يمتلئ بأساطيل التجار الكبار، ومنهم سيدة الأعمال هالة (دينا)، التي يوحي المسلسل بأن وراءها أيضاً عصابة أكبر وأخطر شأناً.

هنا يتخذ السيناريو منحنى خطيراً، يصل إلى ذروته في الحلقة الثامنة التي تخرج فيها الأمور عن السيطرة مخلفة قتيلاً بريئاً، رجل ريفي جاء إلى القاهرة ليبيع إحدى كليتيه.

انقلاب بوليسي

على عكس كثير من الأعمال الدرامية التي تبدأ سريعة، مشوقة، ثم سرعان ما تغط في ترهل الإيقاع وقلة الأحداث، يزداد “عرض وطلب” سرعة بمرور الحلقات، مع التحفظ على وجود بعض المشاهد التي تبطيء من سرعة الإيقاع وتدفقه، مثل مشاهد ثابت وعروسه الجديدة أو مشهد تنزه الأبطال أكثر من مرة في الملاهي التي تستغرق وقتاً أكثر من اللازم، يزيده طولاً الاستخدام المفرط للحركة البطيئة والموسيقى العاطفية الثقيلة.

هذا المزج بين الاجتماعي والبوليسي، يفضي لاحقاً إلى تطور الحكاية التي يرويها العمل لتصبح أمثولة حول الخير والشر وحول فكرة “البيع” نفسها: ففي سوق يحكمه العرض والطلب يباح تجارة أشياء كثيرة قد تكون سليمة من الناحية القانونية، ولكنها جريمة إذا فكرنا فيها من الناحية الإنسانية والأخلاقية، وإذا كانت العبودية قد أصبحت جريمة قانونية بعد قرون من إباحتها، فإن الإتجار بالبشر لم يزل مستمراُ بأشكال وطرق أخرى.

وعلى العكس، كما يشير المسلسل، هناك أشياء قد تكون مجرمة قانوناً، ولكنها بالمنطق لا تختلف عن أشياء وممارسات كثيرة مباحة، وكم من فقير يضطر إلى بيع جسده أو ضميره للأثرياء، والأسوأ حتى هو غير المضطر إلى يبيع طمعاً في مزيد من الثراء او السلطة، وتظهر المعضلة بشكل أوضح هنا لأن القانون يجيز التبرع بالأعضاء، ولكن لا يبيح بيعها.

وبالمناسبة، الجانب الطبي والقانوني من موضوع تجارة وزرع الأعضاء لا يلقى الاهتمام الكافي من صناع العمل، وتعامل بعض الجوانب مثل تأثير الجراحة على الطرفين، وردود فعل الجسد عليها، أو تفاصيل عمل العصابات وعمليات البيع، ببعض السطحية (التي نراها أيضاً في الأعمال الأخرى التي تناولت الموضوع)، وعلى النقيض يسرف العمل في المشاهد الحوارية بين الشخصيات، التي تثقل على الإيقاع والتشويق أحيانا.

عصابة أم ضحايا

بالقرب من نهاية “عرض وطلب”، تبدو هبة ومن معها ضحايا في نهاية المطاف للظروف القاهرة التي دفعتهم إلى العمل كسماسرة في تجارة غير قانونية، بالرغم من رضاء طرفيها، إشكالية يتركها العمل مفتوحة على مصراعيها، وسط الأفكار والمشاعر المتضاربة التي يثيرها في المشاهد.

هذا على مستوى المضمون والسيناريو، وكما ذكرت في البداية يمثل العمل نقلة للأمام لمعظم ممثليه، على رأس هؤلاء سلمى أبو ضيف وعلي صبحي.

لعبت أبو ضيف بطولة بعض المسلسلات من قبل كان آخرها، قبل “عرض وطلب” هو  “أعلى نسبة مشاهدة” الذي دار حول ظاهرة اجتماعية ساخنة أخرى، وهي تهافت الكثيرين، خاصة الشباب، على تقديم أي محتوى، والسلام، على منصات التواصل خاصة التيك توك واليوتيوب على أمل الفوز بالشهرة والمال.. حتى لو كان هذا المحتوى رخيصاً أو بذيئاً أو سخيفاً، وحتى لو وقعوا في أيدي عصابات أخرى تستغلهم (مثلما يحدث لشخصيات “عرض وطلب”.

حقق “أعلى نسبة مشاهدة” نسبة مشاهدة جيدة، ورفع اسم سلمى أبو ضيف درجة بين نجمات الدراما والسينما، ومن حسن حظها أنها أعقبته بـ”عرض وطلب” الذي أكد على هذه المكانة ورفعها درجة أخرى، أعتقد أنها مهيأة بعده للعب البطولات المطلقة.

خطوات مهمة

تتمتع أبو ضيف بوجه برىء الملامح، وابتسامة عريضة جذابة، وفي الوقت نفسه تصلح لأدوار الضحية الميلودرامية التي تقهرها الأقدار التي لا ذنب لها فيها، وشخصية هبة تعطيها الفرصة لذلك: يصفها أحد شخصيات العمل بأنها تملك وجه ملاك، ولكن الجديد بالنسبة لها أنها سرعان ما تتحول بعد مرور بضعة حلقات إلى شريرة هادئة وباردة المشاعر وقادرة على السماح بقتل شخص آخر إذا اضطرت إلى ذلك، وكما يصفها كابونجا في الحلقات الأخيرة، تبدو من الخارج كما لو كانت السيدة مريم، ولكنها من الداخل شيطانة!

بالإضافة إلى سلمى أبو ضيف يتألق علي صبحي في دور كابونجا، في نقلة نوعية من ناحية الشخصية التي يلعبها والمساحة المخصصة لها، كذلك رحمة أحمد التي عرفها جمهور التليفزيون كممثلة كوميدية عبر شخصية هدية في مسلسل “الكبير”، ولكنها هنا تؤدي شخصية واقعية ببراعة ملفتة، بالرغم من أنها لا تعدم وسيلة لانتزاع الكوميديا من أكثر المواقف مأساوية.

كذلك يقدم المخضرمان علاء مرسي وسماح أنور أداءً رفيعاً يليق بتاريخهما، ويمكن مد الخط إلى مصطفى أبو سريع ومحمود السراج، ولكن مع التحفظ على أداء كثير من الممثلين الآخرين، الذين أسيئ اختيارهم للشخصيات التي يلعبونها، أو الذين قدموها بشكل سيء، هناك أيضاً شخصية لم تستغل كما يجب هي فريد شقيق هبة الذي يعاني من متلازمة داون، من الجيد أن الدراما بدأت تنتبه لذوي الهمم، نتيجة حملات ومطالبات المؤسسات الرسمية والجمعيات الأهلية المعنية بهذه الفئات. هنا ألاحظ فقط أن الشخصية كان يمكن استغلالها درامياً بشكلٍ أفضل. من الطريف أيضاً مقارنة الشخصية بمسلسل آخر هو “سوا سوا”، الذي يحتوي على شقيق للبطلة (هدى المفتي) يعاني من المتلازمة نفسها، كما يتعرض للخطف أيضاً لاستغلاله في تجارة الأعضاء في جزء من العمل!

تعبيرات بصرية

بالنسبة للإخراج والعناصر الفنية الأخرى، يجيد عمرو موسى، مخرج العمل، توجيه ممثليه وإدارة المشاهد بشكل عام، خاصة الداخلية، حين يمكن أن يتحكم في عناصره، ومن أفضل عناصر العمل اختيار أماكن التصوير والتصوير الذي يصنع أحياناً لوحات فنية من العشوائيات والمقابر وتكوينات الديكور، وتبدو مشاهد مدينة رشيد، المطلة على البحر، شديدة الجمال، ومناقضة لقبح المدينة، وأيضاً كتعبير بصري عن أيام السعادة التي مضت مع رحيل طفل هبة وثابت.

بعض الحلقات تبدو وكأنها صورت كوحدة متكاملة، من بينها حلقتان في غرفة فندق، وحلقة في شقة هبة تتجمع فيها كل الشخصيات تقريباً. هذه الحلقات لها بناء سينمائي وأسلوبي قوي قلما نراه في المسلسلات المصرية، حيث تتكون الأعمال عادة من مشاهد وليس حلقات ذات تأثير منفرد. وكما نعرف هناك أعمال كثيرة جدا على المنصات لها عدة مخرجين يسند لكل منهم تنفيذ حلقة (أو أكثر).

يجيد عمرو موسى أيضا استخدام تقنية التصوير البطيء في الحلقات الأولى من المسلسل، حيث يسهم ذلك في تمديد صنع الايقاع المطلوب وبث الشعور بتضخم الحدث والزمن، ولكن هذه التقنية تتحول في الحلقتين الأخيرتين إلى عبء وتتناقض مع السرعة اللازمة للفصل الختامي.

* ناقد فني