أعلنت لجنة تحكيم جائزة إرنست فون سيمنز لعام 2026، وهي أرفع جائزة عالمية في عالم الموسيقى الكلاسيكية، عن فوز الموسيقي الإسباني المتخصص بالموسيقى القديمة جوردي سافال.
وسيجري حفل تسليم الجائزة الرسمي في مدينة ميونيخ الألمانية مساء 23 من شهر أيار/ مايو المقبل، حيث سيحصل الفائز أيضًا على جائزة مالية بمبلغ 250 ألف يورو.
وقالت لجنة الجائزة في بيان لها إنّ “سافال حصل على الجائزة بصفته موسيقيًا وباحثًا ومعلمًا قدّم إسهامات رائدة في مجال الموسيقى القديمة، وممارسات الأداء القائمة على أسس تاريخية”. واكتشف سافال شغفه بموسيقى عصر النهضة في أثناء دراسته للتشيلو وآلة الفيولا دا غامبا.
بحث سافال في المخطوطات التي تعود إلى العصور الوسطى، وتخصص مع فرقته الخاصة في موسيقى شبه الجزيرة الأيبيرية، وكان سافال أسس فرقة “لو كونسير دي ناسيون” أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وهي فرقة موسيقية متخصصة في تقديم الأعمال الموسيقية من العصر الباروكي إلى العصر الرومانسي، باستخدام آلات موسيقية من تلك الحقبة. كما أسس شركة إنتاج أسطوانات خاصة به تحمل اسم “أليا فوكس”.
وبصفته موسيقيًا، انخرط سافال مرارًا في العمل الاجتماعي، ففي عام 2018 أسس فرقة “أورفيوس 21” للموسيقيين اللاجئين من شمال أفريقيا والعالم العربي، ويسعى أيضًا إلى استخدام الموسيقى كوسيلة للتسامح، إذ يقول: “لا تستطيع الموسيقى إنهاء حرب، لكنّها قادرة على جلب السلام إلى قلوبنا. الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي تخاطب القلب مباشرة. من دون الموسيقى، ستكون الحياة مستحيلة”.

“جوردي سافال استوفى بوضوح جليّ معايير جائزة فون سيمنز”

ومن المعروف أنّ النشاطات الثقافية، باستثناء الأدب، تفتقر جميعها إلى وجود جائزة نوبل خاصّة بها. ولسدّ هذا النقص، تستجيب الأنشطة الثقافية بطرقٍ مختلفة. فعلى سبيل المثال، ليس هنالك جائزة سنوية معتبرة في مجال الفنون البصرية (بالطبع، هنالك جائزة تيرنر، التي تمنح للفنانين البريطانيين تحت سن الخمسين حصرًا)، ولا يبدو أنّ أحدًا يكترث بالأمر. أمّا المعماريون، فلديهم جائزة بريتزكر، التي غالبًا ما يطلق عليها مجازًا “جائزة نوبل للهندسة المعمارية”، التي تمنح سنويًا لتكريم أحد المعماريين المبدعين الذين لا يزالون على قيد الحياة. يبدو الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة للموسيقى الكلاسيكيّة: فهنالك جائزة غرامي، بفئاتها الكلاسيكية، وهي جائزة مرموقة وتحظى بتغطيةٍ إعلامية عالميّة، ولكنّها في المقام الأوّل جائزة صناعية مخصصة للتسجيلات الصوتية فقط (ليس من السهل بمكان تقييم المشهد الموسيقي الأكاديمي اليوم بالاعتماد على التسجيلات فقط). في هذا المجال، هنالك جائزتان عريقتان متخصصتان: جائزة ليوني سونينغ الدانماركية، وجائزة إرنست فون سيمنز الألمانية (البافاريّة تحديدًا). ولا تقتصر هاتان الجائزتان على تكريم الفنانين والملحنين المشهورين فحسب، بل وتشجعان المواهب الشابّة أيضًا.
ووفقًا للتقاليد الراسخة، تعرف جائزة سيمنز بأنّها بمثابة “جائزة نوبل للموسيقى الكلاسيكيّة”. وحتى الآن، فاز بهذه الجائزة أبرز ملحني العقود القليلة الماضية، منهم: البريطاني بنجامين بريتن، والفرنسي أوليفييه ميسيان، والمجري ــ النمساوي جيورجي ليجيتي، والألماني كارل هاينز شتوكهاوزن، والإيطالي لوسيانو بيريو، والألماني هانز فيرنر هينتسه، وصولًا إلى الألماني هيلموت لاتشيمان، والإنكليزي جورج بنجامين، والألماني ــ البريطاني السير سيمون دينيس راتل (2025). ومن بين العازفين فاز بالجائزة: عازف البيانو التشيكي ألفريد بريندل، وعازفة الكمان الألمانية آن صوفي موتر، وعازف البيانو الفرنسي بيير إيمار. أمّا بين المغّنين فعدد الحائزين على الجائزة أقلّ: في ثمانينيات القرن الماضي، منحت الجائزة لقادة فرق الأوركسترا الكلاسيكية، منهم على سبيل المثال: الألمانيان ديتريش فيشر ديسكاو، وبيتر شراور. وأخيرًا، وبدءًا من هربرت فون كارايان (1977)، فاز قادة الأوركسترا بالجائزة مرارًا وتكرارًا، ولكن أعدادهم تبقى أقلّ من عدد الملحنين. وفي كلّ عامٍ، تختار الأكاديمية البافاريّة للفنون الجميلة موسيقيًّا واحدًا: كاتبًا، عازفًا، أو حتى عالمَ موسيقى. لم يكن موسيقيو المدرسة الروسية بعيدين عن الجائزة على مدار نصف قرنٍ من وجودها، فقد فاز بها ثلاثة، كان آخرهم الليتواني ماريس يانسونز.
ووفقًا للوائحها، تمنح جائزة فون سيمنز تقديرًا “للخدمات التي قدّمت للموسيقى وللمساهمة في نشر حبّها”. ولكنّ هذه المعايير عامّة فضفاضة، إذ يكفي إلقاء نظرةٍ سريعة على قائمة الملحنين الذين نالوا الجائزة، والتي يهيمن عليها نجوم الطليعة الموسيقية ما بعد الحرب العالمية الثانية، لندرك أنّه لطالما تعاملت الجائزة مع الموسيقى باعتبارها فنًّا معاصرًا ذا صلة. وفي هذا الصدد، يمكن القول بجرأة تامّة إنّ جوردي سافال قد استوفى بوضوح جليّ معايير جائزة فون سيمنز.
يُذكر أنّ إرنست فون سيمنز، الذي تحمل الجائزة اسمه، هو حفيد فيرنر فون سيمنز، مؤسس شركة سيمنز الألمانية للتكنولوجيا. أعاد إرنست بناء الشركة بعد الحرب العالمية الثانية، وأسس مؤسسة إرنست فون سيمنز، التي هدفت إلى دعم الموسيقى الحديثة وقضايا السلام.