القاهرة – «القدس العربي»: مع كل موسم عيد في مصر، تكون السينما مرآة تعكس ذوق الجمهور، وتحولات المجتمع، وقدرة الصناعة على التجدد. وفي عيد الفطر، بدت الصورة واضحة منذ الأيام الأولى: زخم جماهيري كبير، ومنافسة محدودة بين ثلاثة أفلام فقط، لكنها كافية لرسم خريطة متكاملة للمشهد السينمائي الحالي، من حيث الإيرادات، والموضوعات، والقيمة الفنية.
البداية جاءت قوية على مستوى الأرقام، حيث سجلت دور العرض في أول أيام العيد ما يقرب من 18 مليون جنيه، قبل أن تتصاعد الإيرادات في الأيام التالية، مدفوعة بإقبال جماهيري واضح، خاصة على الأفلام ذات الطابع الكوميدي الاجتماعي.
سريعًا، فرض فيلم «برشامة» نفسه في الصدارة، محققًا أكثر من 12 مليون جنيه في يومه الأول، ثم قفز إلى قرابة 19 مليونًا في اليوم الثاني، ليواصل تصدره في ثالث أيام العيد بإيرادات تجاوزت 16 مليون جنيه، متخطيًا حاجز 30 مليونًا في أيام قليلة.
في المقابل، حافظ فيلم «إيجي بست» على موقعه في المركز الثاني، بإيرادات تراوحت بين 4 و7 ملايين جنيه يوميًا، بينما جاء فيلم «فاميلي بيزنس» في المركز الثالث، بإيرادات أقل، استقرت في حدود 2 إلى 2.5 مليون جنيه يوميًا، ليظل خارج المنافسة الحقيقية رغم وجود اسم جماهيري كبير في بطولته.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم المشهد، إذ يفتح هذا التفاوت في الإيرادات الباب أمام تقييم أعمق لتجربة كل فيلم، ليس فقط من حيث الإقبال، بل من حيث ما يقدمه من مضمون، وقدرته على التأثير.
في مقدمة هذه الأعمال، يأتي «برشامة» كنموذج واضح لما يمكن أن نطلق عليه «الكوميديا الذكية القريبة من الناس».
الفيلم ينطلق من فكرة بسيطة لكنها شديدة الالتصاق بواقع المجتمع: لجنة امتحان الثانوية العامة، بكل ما تحمله من توتر وضغط، لتتحول هذه المساحة المغلقة إلى عالم كامل من التناقضات. من خلال حدث مفاجئ – وفاة المراقب – تتفجر الكوميديا، لكن خلف الضحك، يطرح الفيلم قضايا حقيقية، مثل الغش، والدروس الخصوصية، والفوارق الاجتماعية.
نجاح الفيلم لا يعود فقط إلى فكرته، بل إلى إيقاعه السريع، وقدرته على خلق مواقف متلاحقة، إلى جانب أداء متوازن من فريق العمل، ما جعله يجمع بين الترفيه واللمسة النقدية دون أن يفقد خفة الظل.
أما «إيجي بست»، فيقدم تجربة مختلفة تمامًا، تنتمي إلى الدراما المستوحاة من الواقع الرقمي. الفيلم يغوص في عالم قرصنة المحتوى، من خلال قصة صديقين يجدان نفسيهما في قلب صراع معقد بين الطموح والواقع والقانون.
ورغم أن الفيلم لم يحقق نفس الأرقام التي حققها «برشامة»، إلا أنه نجح في جذب شريحة مختلفة من الجمهور، خاصة الشباب، بفضل موضوعه المعاصر، وجرأته في الاقتراب من منطقة شائكة. ومع ذلك، يمكن القول إن طبيعته الجادة نسبيًا، مقارنة بالمنافس الكوميدي، حدّت من انتشاره الجماهيري الواسع.
من خلال هذه الصورة، يمكن استخلاص عدة ملامح أساسية لموسم عيد الفطر 2026. أولها، أن الكوميديا الاجتماعية ما زالت تتربع على عرش شباك التذاكر، بشرط أن تكون قريبة من الواقع، وتمس حياة الجمهور بشكل مباشر. ثانيها، أن الموضوعات المعاصرة – مثل العالم الرقمي – تمتلك جاذبية خاصة، لكنها تحتاج إلى معالجة تجمع بين العمق والجاذبية الجماهيرية. أما ثالثها، فهو أن اسم النجم لم يعد كافيًا وحده لضمان النجاح، في ظل وعي جمهور أصبح أكثر انتقائية.