عاش محمد سعد منذ 2002 سنوات ازدهار تؤيده فيها الجماهير عبر تصويت ديمقراطى فى صندوق شفاف اسمه شباك التذاكر، انطلق مع (اللمبى)، واستمر معتليا القمة نحو 5 سنوات، فى ظاهرة أطلقت أنا عليها (هرشة السنة الخامسة)، نجم الكوميديا يظل على العرش 5 سنوات متتالية، ثم يبدأ بعدها رحلة الهبوط، وهو عدد السنوات بالضبط التى عاشها قبله محمد هنيدى على القمة منذ 1997، ولمدة أيضا خمس سنوات، حتى أطاح به سعد، ثم لم يمكث سعد أكثر من خمس سنوات، حتى أطاح به أحمد حلمى، وهكذا تتجدد (الهرشة) بإيقاع منتظم.

العام الماضى وفى مثل هذه الأيام حدثت معجزة، عاد محمد سعد إلى دائرة الإيرادات الاستثنائية، لم يحقق الرقم الأعلى بفيلمه (الدشاش)، ولكنه تواجد داخل الدائرة وهو أيضا ما أكده التوزيع الخارجى فى العالم العربى وأيدته المنصات الفضائية.

كان علينا أن ننتظر ما تسفر عنه التجربة الثانية فهى التى تؤكد أن ما رأيناه حقيقة ثابتة- ليس مجرد بيضة الديك- انتظرت أن تتكرر المعجزة ويفعلها الديك مجددا، إلا أنه عاد عقيما مع (فاميلى بيزنس)، والغريب أن هذا يتكرر مع نفس المخرج وائل إحسان الذى أطلق سعد قبل 24 عاما فى (اللمبى).

نجم الكوميدى المهزوم من الصعب وربما أيضا المستحيل أن يعود مجددا، شىء ما يتحطم، يؤدى لا شعوريا إلى تدمير تلك الحالة التى من الممكن أن نطلق عليها (الارتباط الشرطى)، عندما ترى هذا النجم، شىء بداخلك يضىء، وتتملكك مشاعر البهجة، ولا تستطيع أن تتوقف عن الضحك، بينما عندما يتم نزع (الفيشة) من التيار يحل الظلام وتموت الضحكات، هكذا كنت أرى سعد قبل أن تأتى إليه (نفحة) فيلم (الدشاش)، إلا أنه تعثر مجددا عندما باعوا له هذا الشريط المضروب (فاميلى بيزنس) المستنسخ بغشومية، سطو عشوائى على الفيلم الكورى الجنوبى (طفيلى) إخراج يونج جون هو، الحائز قبل سبع سنوات على (السعفة الذهبية) فى (كان) وبعدها على (أوسكار) أفضل فيلم. الشريط ينتقد التفاوت الطبقى فى كوريا الجنوبية من خلال عائلة فقيرة تقرر أن تستولى على مقدرات عائلة غنية بأن يتسلل أفرادها تباعا إلى القصر الذى يعيش فيه الأثرياء ثم ينتهى الأمر بمذبحة.

إذا قرأت تترات فيلم (فاميلى بيزنس) فلن تجد أبدا أى إشارة لذلك، الفيلم منسوب إلى ورشة كتابة بدون تحديد أسماء اللصوص، الذين استحلوا لأنفسهم نقل الفيلم من البيئة الكورية إلى مصر، ولم يدركوا فروق التوقيت، كما أنهم لم يستوعبوا أن الرقابة لا يمكن أن تسمح بانتقاد حالة التفاوت الطبقى التى تعيشها مصر، اتسعت الفجوة بين الفقراء والأثرياء، هذا من المستحيل أن تسمح به الرقابة عندنا، فى النسخة الأصلية ينتهى المشهد الأخير إلى مذبحة، فى الفيلم المصرى تتحول المذبحة إلى نكتة.

الفيلم الأصلى مستوحى بإبداع من حياة السمكة الصغيرة والتى يطلقون عليها فى عالم البحار (قملة القرش) تدخل بين أسنان سمكة (القرش) وتتغذى على بقايا الطعام، وكأنها الطبيب المحنك، بينهما اتفاق ضمنى وعقد اجتماعى بالتعايش، أول بنوده السماح بدخول أسراب من تلك الأسماك متناهية الصغر لتأخذ نصيبها من الطعام، ثم تخرج وهى آمنة، إنها صفقة عادلة للطرفين رغم تباين ميزان القوى، ولكنهما فى النهاية حتى يضمنا العيش يلتزمان بقانون الطبيعة الذى يمنح حتى الضعفاء قوة، توفر لهم العيش مهما بلغت التحديات.

خيال المخرج الكورى الجنوبى بونج جون هو لم يتوقف عند هذا الحد بل ذهب بعيدا.. تسأل: ماذا لو قررت (القملة) التمرد على البقايا وحلمت بأن تأخذ هى نصيب القرش؟.

هذا هو مفتاح الفيلم، التفاصيل فى القراءة الأولى، تبدو أقرب للمعادلة الحسابية، أسرة فقيرة خفيفة الظل تتلاعب وتتحايل على كل شىء من أجل الحياة، وتتكون من أربعة أفراد، تقابلها أسرة ثرية تنفق أموالها بسفه وتتكون من أربعة أيضا، وهو التماثل الحادث بالضبط فى فيلمنا المسروق.

لا يملك الفقراء للتشبث بالحياة سوى العيش على البقايا، وأداء دور (قملة القرش)، الدخول لعالم تلك الأسرة الثرية يبدأ بالتزوير والتحايل، ولا تدرى الأسرة الثرية التى تم احتلالها من قبل هؤلاء بتلك الخديعة، التى مارستها الأسرة الفقيرة، لإبعاد الفقراء الآخرين، الذين كانوا يعملون فى المنزل، نجح المخرج فى أن يجعل المتفرج لا ينزعج من تلك الحيل المخالفة للقانون، بل يتعايش معها.

المخرج يحرص على تقديم التناقض الاقتصادى، الذى تعيشه كوريا الجنوبية، ما بين مجتمعات مخملية وأخرى لا تجد قوت يومها، القصر الضخم الذى تعيش فيه الأسرة الغنية يقابله الشقة العشوائية المتواضعة، التبول بحرية الذى يمارسه المارة أمام منزل الفقراء يؤكد إحساسهم بالدونية.

الصورة المضادة لكل ذلك نتابعها فى ذهاب الأسرة الفقيرة للعيش فى منزل الأثرياء، بعد أن سافروا فى إجازة بضعة أيام، ويبدأ الإحساس بالتناقض الذى يدفعنا للضحك، وتأتى اللحظة الحاسمة، عندما تعود مشرفة المنزل القديمة، ثم الذروة فى الانقلاب الدرامى عند إقامة حفل ضخم، وعلى أفراد الأسرة الفقيرة بث البهجة فى النفوس، وتتحول المعالجة الكوميدية إلى قمة التراجيديا، ويسأل ابن الفقراء ابنة الأثرياء، وهو يتابع الحفل من الشرفة: هل أنا أنتمى لهذا العالم؟ وفى لحظة جنون يمارس الأب الفقير القتل للجميع، ونتابع الدماء المتناثرة، الفيلم انحاز للفقراء، مبررا حتى جرائمهم.

(قملة القرش) تمردت فى لحظات وقتلت سمكة القرش، (الطفيلى) من حقه الحياة الكريمة على الأرض لأنه إذا لم يجدها سينتزعها.

الفيلم الرائع بكل تلك الجماليات الإبداعية عبَر الحدود واقتنص (السعفة الذهبية) ثم (الجولدن جلوب)، ثم (الأوسكار).. بينما نحن لم نفعل فى السيناريو سوى أننا أحلنا النهاية إلى نكتة وسيجارة حشيش يشعلها (قملة القرش) محمد سعد ويقدمها لـ(سمكة القرش) الثرى صاحب المنزل أحمد الرافعى!!.

قد تحدث المعجزة ويبيض الديك مرة واحدة، وهذا هو ما حدث مع محمد سعد العام الماضى، ثم عاد مجددا هذه المرة ليتجرع مرارة الهزيمة مع (فاميلى بيزنس) بعد أن أقنعوه بشراء بضاعة (مضروبة)!!.