يقال باللهجة التونسية وين يهزنا الريح، بمعنى ضبابية المستقبل. ومن هذا التعبير صاغت المخرجة التونسية آمال القلاتي، عنوان فيلمها الروائي الأول. صحيح أن الفيلم لن يخبرنا عن وجهة الريح، لكنه سيأخذنا في رحلة ممتعة عبر تونس، برفقة الصديقين عليسة (آية بالآغة)، ومهدي (سليم بكار). وستبدو مسافة 500 كم نحو جزيرة جربة، مساحة كافية كي نعبر كمشاهدين تضاريس تونس المتنوعة، وكي يكتشف البطلان نفسيهما من جديد.
ومنذ البداية يتضح أن عليسة ومهدي ليسا عاشقين، بل هما صديقان مقربان، يجمعهما المكان، أو الحي الفقير الذي ولدا فيه، ويجمعهما حلم الهروب منه. وعلى الرغم من الصداقة القوية التي تربط بين الشاب والصبية، لكن ثمة تباينات في الشخصيتين، فعليسة تلميذة مشاغبة تهرب من ملل الدروس، عبر الموسيقى التي نسمعها معها كمتفرجين، رغم سماعات أذنيها. كما تدخلنا الكاميرا إلى عالم عليسة الداخلي الغني بالخيالات، فنرى المدرسة ترقص والصديقة تطير، والورود تتسلق ذراعيها على أنغام الموسيقى.
وعلى الرغم من محاكاة الخيال في هذا الفيلم، إلا أن تميزه يكمن في نقل الواقع بشفافية، وكأن شاشة العرض مرآة تعكس ما يجري على أرض الواقع بحذافيره. هنا لن يحتاج المرء إلى مشاهدة نشرة الأخبار، كي يفهم الأوضاع في تونس، فالفيلم يبدو كبورترية واقعية لحال الشباب التونسي اليوم، بل إن عليسة في مشهد ساخر، تنقل نشرة الأخبار إلى صديقها مهدي، بصوتها وعلى طريقتها، حيث لم يعرف التونسيون يوماً الجنة، والديكتاتوريات كما هي، ولاّدة دوماً.
أما مهدي، الشاب الهادئ والحساس، فقد أنهى دراسته الجامعية، ولكنه عاطل عن العمل، «تعال غدوة»، هي العبارة التي تواجهه بها البيروقراطية التونسية كل يوم.
وعندما يعرض أحد الأثرياء عليه، وهو خريج هندسة الحاسوب، العمل كسائق لديه. يقول مهدي لعليسة، عبارة تختصر كل الوجع: من أجل هذا درست في الجامعة، كي لا أعمل كسائق! لكن مهدي يهرب من الواقع المظلم عبر الألوان، فهو يرسم العالم على مزاجه، بل يفسر الظواهر الطبيعية على هواه، فالنجوم تحرس الأحلام، والسحاب تختلط فيها منامات البشر، والأمواج تأتي من نبض القلب، وللريح حكايتها السرية.
وستصحبنا الكاميرا الساحرة للمصورة فريدة المرزوق، في فيلم طريق، يبدأ من أحياء البؤس في العاصمة، إلى جزيرة جربة، حيث سيشارك مهدي في مسابقة للرسم. على الطريق سنشاهد أشجار الزيتون العصية على العد، التي تصلح ككواليس لرسم وجه عليسة بريشة مهدي، وفي الخلفية ثمة بحر أزرق يدعو للغوص ونسيان الهموم، أو العبور بحثاً عن الخلاص. وخلال الرحلة ستتوقف السيارة عند الآثار القديمة، كي تبحث عليسة عن معنى اسمها، الأميرة القرطاجية التي بنت مملكة من جلد ثور. هي تونس إذن بتضاريسها وسواحلها المتوسطية، وعراقة تاريخها. وهي تونس أيضاً بمشاكلها، مع جيل خرج خائباً من الثورة، ووجد نفسه عالقاً بين خياري الهجرة والبؤس، أو ربما إعادة اكتشاف المكان والمعنى. ولن يكتفي الفيلم بتصوير مشاهد طبيعية خلابة على الطريق، بل سيقع الشابان في مطبات عديدة، كالفساد وإضرابات سائقي الحافلات، مروراً بالتحرش الجنسي باسم الدين، واكتشاف الهوية الجنسية بعيداً عن عيون الرقابة والمحظور.
كما سيدخل البطلان صدفة عوالم الأثرياء، الذين يعيشون حياة السعادة المزيفة على الإنستغرام، حيث ثيابهم، حقائبهم وسياراتهم لا تشبه البشر العاديين، بل حتى أسماؤهم قد تنتهي بكود، أو حرف خاص يميزهم عن عامة الشعب، في إشارة للفروق الطبقية الحادة في تونس.


في نهاية الرحلة سيكتشف البطلان طريقاً آخر، وسيتغير فيهما الكثير، ابتداءً من تسريحة الشعر وصولاً إلى نظرتهما للعالم من حولهما.
وقد لعب الممثلان الشابان، آية بالآغة وسليم بكار، دوريهما بتلقائية وإتقان، إلى درجة يصعب معهما فصل عليسة عن آية، أو مهدي عن سليم.
ولعل تميز هذا العمل السينمائي يكمن في التطرق إلى مشاكل معقدة من دون أن يبدو الفيلم مقيداً بها، فالقليل من الفكاهة يخفف من ثقل الواقع السوداوي، ويحمي الفيلم، كما المشاهد، من الوقوع في فخ الميلودراما والكآبة. وكذلك استطاع الفيلم التعبير عن أمزجة الجيل الشاب، عبر موسيقى شبابية تشبههم. حيث موسيقى الفيلم في أغلبها، هي لفرق موسيقية تونسية بديلة، مثل: Yuma, cosmic, Alfa
في حين تحضر الموسيقى التقليدية بخجل عبر أغنية نجاة الصغيرة مثلاً «أنا بعشق البحر». التي يعشقها والد عليسة، وهي دلالة على غياب جيل الآباء، أو عجزهم. فوالد عليسة غيبه الموت، فيما الأم تعاني من الكآبة والعزلة.
اللافت في الفيلم أيضاً، الوجوه الشابة الصاعدة، التي منحت أدوار البطولة، فيما ظهرت الوجوه المخضرمة بأدوار ثانوية، بل يمكن القول، إن طاقم العمل بمعظمه من الجيل الشاب، بمن فيهم المخرجة آمال القلاتي، التي ذهبت من التصوير الفوتوغرافي إلى السينما، بعد أن أنهت دراسة الحقوق في جامعة السوربون.
ولا شك أن شاعرية الصورة، هي وليدة العين الحساسة للمصورة الفوتوغرافية والمخرجة قلاتي، التي استطاعت أيضاً، من خلال سيناريو ذكي، التعبير عن طموحات وأحلام جيل زد، وحصدت في النهاية جائزة أفضل سيناريو في مهرجان قرطاج السينمائي الأخير. ولكن الجائزة المستحقة، التي نالها الفيلم في المهرجان، كانت جائزة الجمهور. ليس لأن الفيلم تونسي، والصالة كانت ممتلئة حتى آخرها بـ 1600 مشاهد، وليس لأن النكات والقفشات يفهمها التونسي، من دون الحاجة إلى مترجم أو وسيط، بل لأن الفيلم هو صورة حقيقية وصادقة عن جيل حصد الخيبات، بعضهم اختار الهجرة، والبعض الآخر لجأ إلى الاحتيال والكيف للهروب من الواقع، وثمة شباب اختاروا المقاومة كوسيلة للنجاة من العدم.
«وين يأخذنا الريح؟» هو عنوان الفيلم بالنسخة التونسية، في حين أن النسخة الأجنبية لها عنوان: «من أين تأتي الريح؟». تلك ليست مسألة اتجاهات وحسب، وليست وجهة للنظر عبر المتوسط، ولا تحكمها وجهة الريح وحسب.
إنه سؤال الزمن، الذي نعيش فيه، وهو كذلك سؤال المكان أي حوض المتوسط، التي تعبره يومياً سفن البضائع، كما تعبره قوارب الموت جيئة وذهاباً. صحيح أن الرياح قد تجري بما لا تشتهي السفن، ولكن صعوبة التواصل بين الضفتين يبدأ من التاريخ والجغرافيا، وقد لا يتوقف عند السياسة، ولا عند الأموال التي تصرف كي لا يصل اللاجئون إلى «بر الأمان». ويبقى السؤال الجوهري: هل العشب على الضفة الأخرى أكثر خضرة حقاً؟
ربما لا تمتلك السينما أجوبة عن مشكلات تبدو مستعصية، ولكن لا مفر للسياسة اليوم من الإجابة عن مأزق الشباب التونسي، كي لا يولد بوعزيزي جديد!

كاتبة سورية