نواف سلام صاحب الثقل الدولي المزعوم الذي وضعه في رئاسة الحكومة اللبنانية بعد “طوفان الأقصى”، يعلن بكلّ فخر “أسقطنا حظر التفاوض مع إسرائيل”. يقولها في اللحظة التي لم تترك فيها تلك الإسرائيل منطقة في بيروت إلا قصفتها بالطائرات المقاتلة والمُسيّرات، ولم تترك مكاناً في الجنوب المُحتل إلا مارست فيها النسف والتدمير، وراحت تُعيّن حدوداً جديدة للبنان، بحيث ينكمش جغرافيّاً إلى شمال نهر الليطاني.

كان لبنان مُحتلّاً قبل “طوفان الأقصى”، وبقي مُحتلًا بعد الطوفان، لكن الرئاسات اللبنانية تترك كلّ هذه الحقائق وتتفرّغ للنضال ضدّ المقاومة الوطنية اللبنانية مُمثّلة في حزب الله، حتى وصل بها الشطط إلى إعلان الغضب والامتعاض ممّن لا يزالون يسمّون الذين يتصدّون لغزو العدو بالمقاومة، تماماً كما تبدي المُغنية إليسا قرفاً عنصريًا شديد الانحطاط من النازحين القادمين من مناطق الاشتباك مع العدو إلى العاصمة بيروت، حيث تنسب إليهم صاحبة الحنجرة السياحية تهمة “فرض واقع خطير على اللبنانيين بين منازلهم وعلى الطرقات التي يسلكونها يوميّاً وهذا ليس إنسانية، بل تعدٍّ على أبسط حقوقهم بالأمان والاستقرار”.

لا يفصل وقت طويل بين خطاب استجداء التفاوض والتطبيع السياسي واعتبار “الدولة اللبنانية” السفير الإيراني في بيروت شخصاً غير مرغوب فيه، مع مطالبته بمغادرة الأراضي اللبنانية في موعد أقصاه الأحد المقبل (29 مارس/ أذار)، والأسباب بالطبع معروفة، فإيران تنسّق مع المقاومة اللبنانية وتدعمها في معركتها ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، الباحث عن جغرافيا جديدة يتضاءل فيها حجم لبنان إلى حدود شمال الليطاني، والطامع منذ عشرات السنين في مياه نهر الليطاني نفسها، وهو في سبيل تحقيق أهدافه لا يترك جسراً بين لبنان وجنوبه من دون أن ينسفه، ولا طريقاً من دون أن يقطعه، بالاندفاع ذاته الذي يفعله لبنان الرسمي في نسف علاقته بمقاومته الوطنية ومن يدعمها.

 هل كان لبنان كاملاً وهادئاً ومُنعّماً، قبل طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حتى يصبّ غضبه وكراهيته لما يسميها “حرب الإسناد” التي يتهم حزب الله فيها بأنّه اختطف لبنان إلى دعم مقاومة فلسطين المحتلة؟! يقول الواقع إنّ أجزاءً كبيرة من الأراضي اللبنانية كانت واقعة تحت الاحتلال الصهيوني قبل “7 أكتوبر”، إذ بقيت مناطق عدّة في قبضة الاحتلال بعد انسحاب قوات العدو، بفضل بسالة وصمود وبطولة المقاومة (التي تتأفّف منها إليسا ونواف سلام) في العام 2000، وهي مناطق مزارع شبعا وتلال كفرشوبا الواقعة في مثلث الحدود بين لبنان وسورية والأراضي الفلسطينية المُحتلة، حيث تصل مساحة مزارع شبعا وحدها إلى مائتي كيلومتر مربع، بقيت محتلة مثل نصف قرية الغجر المقسومة بين الجولان والأراضي اللبنانية.

المعلوم من التاريخ بالضرورة، أيضاً، أنّ الاحتلال الصهيوني قُبيل “طوفان الأقصى” كان قد بنى سياجاً حديديّاً يقبض على الجزء اللبناني من قرية الغجر بشكل كامل، الأمر الذي عدّته الحكومة اللبنانية في ذلك الوقت ضمّاً واحتلالأً للقرية بشكل كامل، فضلاً عن  13 نقطة حدودية بامتداد “الخط الأزرق” يسيطر عليها العدو فيما يعتبرها لبنان ضمن ترابه الوطني بحسب الحدود الدولية المرسمة عام 1923.

باختصار، لم يذهب حزب الله إلى مقاومة العدو لأنه يشعر بالفراغ والملل، فبحث عن مغامرة، كما يصوّر “المنطق الأليساوي” المسألة، بل كان يؤدّي الفرض الوطني من أجل سيادة وكرامة لبنان كلّه.

الشاهد أنّ القصّة بالنسبة للكيان الصهيوني ليست عدواناً على لبنان لأنّ مقاومته تنسّق مع إيران في هذه المحطّة المفصلية من تاريخ الصراع، بل يتوغّل الاحتلال في الجغرافيا اللبنانية سعياً إلى تحقيق حلمه الاستراتيجي القديم، وهو نقل حدوده مع لبنان إلى نهر الليطاني، وهو المشروع الذي يعمل عليه العدو منذ  1948 وبقي متمسّكًا بمحاولة تحقيقه في عدوان 1978، قبل أن يكون في لبنان شيء اسمه حزب الله، وما يجري الآن يشي بأنّ العقل الصهيوني يرى أنّ هذه هي الفرصة المواتية لكي يحصل في 2026 على ما فشل في الحصول عليه قبل 80 عاماً.

ذلك ما يفهمه لبنان التاريخي ويتصدّى له منذ عقود، لبنان فيروز وحزب الله ورفيق الحريري وإميل لحود، لا لبنان الجديد كليًا، لبنان إليسا ونواف سلام وسمير جعجع.