لماذا ظل الفنان عادل إمام على القمة، كل تلك السنوات؟!، سؤال صعب من الممكن أن تجيب عنه بإحصائيات الإيرادات، أو بعدد الأفلام والمسلسلات والمسرحيات والبطولات، أو بمجرد سرد فنى من خلال قصص الأفلام وكواليس التصوير وتجميع المقالات النقدية، كل تلك الطرق ستؤدى لكتاب مضمون وناجح وجماهيرى، لكن الكتاب الذى أقدمه اليوم، والذى أعده بدون مبالغة أهم ما كتب عن هذا الفنان والنجم الاستثنائى الكبير، اختار طريقاً مختلفاً ومتفرداً، وهو طريق النظر لعادل إمام من خلال منظار التحليل الاجتماعى والسياسى، وربط ظاهرة عادل إمام بالمتغيرات الاقتصادية والطبقية فى المجتمع، قراءة فلسفية لظاهرة وليست حديثاً عن ظاهر الشخصية، ولكن عن الظاهرة الفنية، التى اسمها عادل إمام، كتاب «عادل إمام سفير الحرافيش إلى القمة» الصادر عن دار كلمة، للكاتب الصحفى وائل لطفى، الكاتب المتميز بعمق قراءته للظواهر الاجتماعية، بلغة صحفية بسيطة، وأسلوب رشيق، وموضوعية صارمة،
العنوان الذكى الذى اختاره المؤلف للكتاب، يمنحك مفتاح فهمه، عادل إمام ابن زمن عبد الناصر، زمن الأحلام الكبيرة، الذى حقق لمن هم مثل عادل إمام ممن كانوا على الهامش، بحق الصعود الاجتماعى، خريج كلية الزراعة، ابن المسرح الجامعى، والذى تمسك بحلمه منذ أن قال جملة واحدة فى مسرحية من إخراج حسين كمال، وحتى تربعه على القمة، كانت شفرة نجاحه، هى غروب زمن عبد الناصر، الذى كان وجوده من وجهة نظر وائل لطفى حائلاً أمام ظهور نموذج البطل الذى يمثله عادل إمام، وقدم المؤلف تفسيره لهذه الفرضية، ثم يقدم لنا وائل إجابة لسؤال غامض آخر، وهو لماذا أصبح زعيم شلة الكوميديا الجديدة متقدماً عن زملائه، مشيراً إلى أسلوب حياة عادل إمام، وشخصيته التى جمعت بين تمرده الشقى كإبن شوارع الحلمية،
وصرامة أبيه موظف وزارة الداخلية، قارن الكتاب بينه وبين سعيد صالح، الذى انطلق معه من نفس منصة الإطلاق التى كانت علامة فارقة بين زمنين فنيين فى الكوميديا، مدرسة المشاغبين، يستمر هذا الكتاب الممتع والمهم، الذى من الظلم تصنيفه ككتاب فنى فقط، فهو يتجول معك فى سراديب رحلة تشكل عادل إمام، بداية من معافرة مسارح التليفزيون، والأدوار الثانية مع فطين عبد الوهاب، ثم الفنانين المتحدين، وتدشين مدرسة متمردة على المدبوليزم، بعدها مرحلة السينما والمحفظة معايا، والأفلام الجماهيرية التى لم تكن لها بعد سياسى أو اجتماعى بعد، إلى المرحلة التى صار لعادل إمام وجهة نظره السياسية المؤثرة، وفلسفته الخاصة فى التعبير عن رأيه فنياً، من الحل الفردى فى الغول، إلى التمرد على الفساد والسخرية من تسلط رأس المال الوحشى فى الأفوكاتو وغيره، إلى محاولة الإصلاح الاجتماعى والحل الجماعى من خلال النقد اللاذع فى خماسيته مع وحيد حامد وشريف عرفه،
إلى وقفته الصلبة ضد الارهاب ورحلته الشهيرة إلى أسيوط فى عقر دار الجماعات، ومواقفه ضد سماسرة الدين، والفنانات المعتزلا، ومحاولات تجريف الفن، ثم العودة للدراما التليفزيونية بعد غياب طويل منذ أحلام الفتى الطائر، والاقتناع بها كوسيط فنى مهم ومؤثر، من سيشترى الكتاب بغرض قراءة السيرة الشخصية لعادل إمام، وحكايات النميمة الفنية، سيصاب بخيبة أمل، لكن من سيشتريه بغرض قراءة التغيرات السياسية والاجتماعية لمصر من خلال رحلة الفنان عادل إمام، فأعده بوجبة ممتعة من الفكر والفن، كنت شخصياً أود القاء الضوء على تجربة مسلسل «الفنان والهندسة» التى كنت متعطشاً لمعرفة كواليسها كأول عمل درامى وليس « الفتى الطاير»،
وأتمنى فى الطبعة الثانية الكتابة عنها وعن جمعه الشوان والمسلسل الاذاعى «أرجوك لا تفهمنى بسرعة» أيضاً، والتى لها وجه سياسى مهم وهى اذاعتها أثناء حرب أكتوبر، ولأنها من تأليف كاتب سياسى مهم وهو محمود عوض، وأيضاً لمعرفة أكثر عن علاقة عادل بعبد الحليم، وهل هما وجهان لحلم اجتماعى وفنى واحد؟، أتمنى اضافة كل هذه الأعمال وتضفيرها فى نفس القراءة السياسية والاجتماعية لرحلة عادل إمام، كتاب وائل لطفى عن عادل إمام، كتب ممتع فنياً، ثرى فكرياً، أرشحه لكم، وأرشحه لعائلة ومحبى وجمهور عادل إمام كأفضل هدية له فى عزلته الاختيارية.
