“المايكرو دراما” ظاهرةٌ حديثةٌ نسبياً في عالمِ السرد البصري، وهي تُثير تساؤلاتٍ كثيرةً حول إذا ما كانت تسعى إلى مزاحمةِ المسلسلاتِ التقليديَّةِ الطويلةِ، أو الإنتاجاتِ الضخمةِ التي تُعرَض على القنواتِ التلفزيونيَّةِ والمنصَّاتِ الرقميَّة.
غير أن الواقعَ يُشير إلى أنها نشأت في سياقٍ مختلفٍ تماماً، “فالمايكرو دراما” ليست بديلاً عن الدراما التقليديَّة، وإنما خيارٌ إضافي في منظومةِ المُشاهَدة الحديثة، يتلاءمُ مع عاداتِ الجمهورِ الذي اعتادَ على استهلاكِ المحتوى القصيرِ عبر منصَّاتِ التواصلِ الاجتماعي.
وتعتمدُ “المايكرو دراما” غالباً على تقسيمِ فكرةٍ بسيطةٍ، أو مشهدٍ واحدٍ إلى حلقاتٍ قصيرةٍ مُتتابعةٍ قد لا تتجاوزُ مدةُ كلٍّ منها دقيقةً واحدةً، أو دقيقةً ونصفَ الدقيقة، لذا لا يتمثَّلُ التحدِّي الأساسي في هذا النوعِ من السردِ في بناءِ حبكةٍ طويلةٍ، بل في خلقِ نهايةٍ مشوِّقةٍ لكلِّ حلقةٍ، تدفعُ المُشاهِد للانتقالِ مباشرةً إلى الحلقةِ التالية. وعليه، يعتمدُ هذا الشكلُ على الإيقاعِ السريع، والتشويقِ اللحظي أكثر من اعتماده على التطوُّرِ الدرامي العميقِ الذي يُميِّز المسلسلاتِ التقليديَّة.
ثم إن طبيعةَ الإنتاجِ في “المايكرو دراما” تختلفُ عن الإنتاجاتِ التلفزيونيَّةِ الكبيرة، إذ غالباً ما تُنتَج هذه الأعمالُ بفرقٍ صغيرةٍ، وإمكاناتٍ محدودةٍ، ما يجعلها مساحةً مفتوحةً للتجريبِ، واكتشافِ المواهبِ الجديدة. وكثيرٌ ممَّن يعملون في هذا المجالِ، هم في الأساسِ صُنَّاعُ محتوى قادمون من عالمِ “السوشال ميديا”، ويحاولون الانتقالَ إلى مجالِ الدراما.
وعلى الرغمِ من أن هذا النوعَ من الإنتاجاتِ ينتشرُ على نطاقٍ واسعٍ في شرقِ آسيا، ويُحقِّق حضوراً كبيراً على منصَّاتِ الفيديو القصير إلا أن بعض التجاربِ الأمريكيَّة بدت أكثر تماسكاً في الأداءِ والكتابة! ففي كثيرٍ من “المايكرو دراما” الآسيويَّة يظهرُ ميلٌ واضحٌ إلى المبالغةِ في الأحداثِ، أو إلى اعتمادِ حبكاتٍ تبدو أحياناً غير قابلةٍ للتصديق حيث تُبنَى بعض الحلقاتِ أساساً على مفاجأةٍ سريعةٍ، أو صدمةٍ دراميَّةٍ في النهاية!
في المقابل، بدت بعض نماذجِ “المايكرو دراما” الأمريكيَّة أكثر توازناً مع اهتمامٍ نسبي بالشخصيَّاتِ، والأداءِ التمثيلي، وهو ما يجعلُ تجربةَ المُشاهِدة أكثر إقناعاً على الرغمِ من قصرِ المدة، وربما يعودُ ذلك إلى الخبرةِ الطويلةِ للصناعةِ الأمريكيَّةِ في أشكالِ السردِ التلفزيوني المختلفة.
وفي كلِّ الأحوالِ، تبقى “المايكرو دراما” تجربةً مفتوحةً على كلِّ الاحتمالات، وقد تتطوَّرُ مع الوقتِ، وتُقدِّم نماذجَ أكثر نضجاً، هذا مع استمرارها بوصفها مساحةً جديدةً لاكتشافِ أفكارٍ ومواهبَ قد تجدُ طريقها لاحقاً إلى عالمِ الدراما الأوسع.
