فى أفلام الرسوم المتحركة الكلاسيكية، كان التواصل بين البشر والحيوانات أمرًا طبيعيًا وبديهيًا، إذ رأى والت ديزنى أن ذلك أمر رائع، وكذلك الجمهور؛ فكان من السهل أن تصدق أن «سنو وايت» يمكنها إقناع الطيور والسناجب بمساعدتها، أو أن «سندريلا» تتحدث بطلاقة مع الفئران.

لكن الزمن تغير؛ ومع تطور تقنيات الرسوم عبر الكمبيوتر، لم يعد هذا التواصل البسيط مقبولًا دون تفسير، وبالنسبة لـ«بيكسار»، التى تعشق التحديات، لم يعد التواصل بين الكائنات أمرًا مفروغًا منه، بل مشكلة تحتاج إلى حل، ففى الفيلم الشهير «Ratatouille»، يتجاوز إنسان وفأر حاجز اللغة عبر شغف مشترك بالطهى، وفى «Brave» تضطر الابنة لإعادة اكتشاف طريقة التواصل مع والدتها بعد تحولها إلى دب، أما فى «Up»، فهناك طوق إلكترونى يترجم أفكار الكلاب إلى كلمات بشرية.

ويظهر هذا الطوق بشكل عابر فى فيلم «Hoppers» كنوع من «الإشارات الداخلية» اللطيفة التى تكافئ جمهور بيكسار الوفى، ففى الكوميديا الخيالية المرِحة للمخرج دانيال تشونج، تتيح التكنولوجيا للبطلة أن تتحدث مع الحيوانات وتعيش بينها، حيث تدور أحداث الفيلم فى بلدة أمريكية صغيرة تُدعى «بيفرتون»، ضمن عالم ملىء بالإشارات الثقافية السريعة.

الفيلم استقبلته دور العرض المصرية مؤخرًا تحت عنوان «سندس فى عالم قندس»، بجانب عروضه العالمية، وتشهد بدايته اكتشاف «مايبل تاناكا» -الطالبة الجامعية التى تبلغ ١٩ عامًا- أن أستاذتها فى علم الأحياء، الدكتورة «سامانثا»، طورت تقنية سرية تتيح نقل وعى الإنسان إلى جسد حيوان على هيئة روبوت شديد الواقعية، ويكون رد فعل «مايبل» مباشرًا: «هذا يشبه Avatar!»، لترد الدكتورة بسرعة: «هذا ليس مثل Avatar!».

ورغم الحذر من الأعمال التى تمزح حول افتقارها للأصالة، فإن Hoppers يستخدم هذه الألفة كنقطة انطلاق ليندفع نحو مسارات سردية غير متوقعة، قد لا يمتلك عمق أفلام مثل Inside Out أو Soul، لكنه يعوض ذلك بجرأة وغرابة فى الطرح.

يبدأ العمل كفيلم خيال علمى بيئى، ثم يتحول إلى فانتازيا حيوانية ذات طابع اجتماعى، ويكاد يصبح فيلم رعب عن تبادل الأجساد؛ وكل ذلك مدفوع بطاقة كوميدية فوضوية افتقدتها بعض أعمال بيكسار الأخيرة، السيناريو الذى كتبه جيسى أندروز -مؤلف فيلم Luca- يتناول الفجوة بين الإنسان والطبيعة؛ فـ«مايبل» فتاة مختلفة، فوضوية المظهر، تحمل حبًا عميقًا للطبيعة ورثته عن جدتها الراحلة «تانكا».

تتحول «مايبل» إلى «قندس» لتدخل عالم الحيوانات وتكتشف أنها تفهم لغتها، لكنها تدرك أن هذا العالم ليس مثاليًا بسبب قانون «دائرة الحياة»؛ حيث تقضى قواعد البركة بأن الحيوانات المفترسة تأكل الفرائس، وهو ما يُقدَّم بروح فكاهية رغم اللحظات القاسية.

يحكم هذا العالم نظام غريب، حيث تخضع الحيوانات لملك القنادس «جورج»؛ وهو شخصية ودودة وساذجة تؤمن بأن الجميع -حتى البشر- يسعون للخير. شعاره الدائم: «نحن جميعًا فى هذا معًا».

 فيلم «Hoppers»

فيلم «Hoppers»

 فيلم «Hoppers»

فيلم «Hoppers»

 فيلم «Hoppers»

فيلم «Hoppers»

 فيلم «Hoppers»

فيلم «Hoppers»

وتتصاعد الأحداث بشكل أكثر جنونًا، ليتحول الفيلم إلى كوميديا سياسية فوضوية تناقش حقوق الحيوان وجشع الإنسان، من خلال تحالفات غير متوقعة، ونعود مرارًا إلى ذكريات «مايبل» مع جدتها، ونشهد قصة صداقة مؤثرة بين قندسين، حتى لو كان أحدهما مجرد «روبوت»، لنبقى أمام فيلم ممتع وملىء بالحياة، وربما أكثر عمقًا مما يبدو للوهلة الأولى؛ فهو يذكرنا بأن الفهم والرؤية وجهان لعملة واحدة، سواء كنا بشرًا أو حيوانات.

ويشهد الفيلم عودة النجمة ميريل ستريب مرة أخرى لشخصية الملكة من خلال فيلم Hoppers، ولكن هذه المرة كملكة الفراشات (فراشة المونارك)، وهى شخصية قيادية فى عالم الحشرات، تتمتع بمزيج من السلطة الصارمة والفكاهة الجافة، فى واحدة من أكبر مفاجآت الفيلم، وذلك بعد ٢٠عامًا من أول أدوارها فى عالم الرسوم المتحركة حين قدمت الأداء الصوتى لشخصية ملكة النمل فى فيلم The Ant Bully، عام ٢٠٠٦.

وكشف المخرج دانيال تشونج كواليس هذه المشاركة الاستثنائية قائلًا: «فى الحقيقة، كنا نستخدم ميريل ستريب كمصدر إلهام للشخصية أثناء الكتابة، دون أن نتخيل أبدًا أنها قد تؤدى الدور فعليًا، فقد كنا نحتاج لصوت يمنح المشاهد شعورًا بالهيبة والوقار، وفى لحظة ينقلب ليصبح مضحكًا للغاية، ميريل هى الوحيدة القادرة على فعل ذلك بسلاسة مذهلة، لكن عندما حان وقت اختيار الممثلين، فكرنا: لماذا لا نحاول؟، كنا قلقين من أن ترفض نجمة بحجمها دور حشرة، وبالفعل رتبنا مكالمة عبر (زووم) معها، فقط لنعطيها فكرة عن القصة، وبمجرد أن بدأت أشرح الفيلم، فاجأتنا بأنها كانت قد قرأت عن حياة فراشات المونارك وهجرتها قبل الاجتماع! لقد جاءت مستعدة بأسئلة وجودية حول الشخصية، وهذا ما يجعلها ميريل ستريب التى نعرفها؛ فهى تأخذ دور الفراشة بجدية لا تقل عن دورها كـ(مارجريت تاتشر)، كما كانت تضحك طوال الوقت، شعرت فورًا أنها فهمت نبرة العمل وروحه، وخلال جلسات التسجيل كانت تمنحنا ١٠ طبقات مختلفة للجملة الواحدة، مما جعلنا فى حيرة من أمرنا أيها نختار لأن جميعها كانت عبقرية.

وحول ما جذبها للدور، أكد تشونج «أعتقد أنها تفاعلت مع مزيج الكوميديا والغرابة فى الفيلم، كما أنها استوعبت جيدًا طبيعة الشخصية، خاصة أن هناك جانبًا غير تقليدى فى رحلتها داخل القصة، وكان من المهم أن تكون مرتاحة لذلك، فالأمر بالنسبة لنا كفريق عمل الفيلم كان أشبه بالحلم، فلم أكن أتخيل يومًا أن ميريل ستريب قد تشارك فى أحد أفلامى، وعندما وافقت، كان ذلك شعورًا لا يُصدق».

وعن الإضافة التى قدمتها ستريب للفيلم فقال «ميريل لديها حضور استثنائى، حتى فى الأداء الصوتى، فلقد أضافت عمقًا وهيبة للشخصية، وفى الوقت نفسه احتفظت بروح الدعابة المطلوبة».

من جانبها أكدت «ستريب »: لطالما وجدتُ سحرًا خاصًا فى الرسوم المتحركة؛ فهى تمنح الممثل حرية لا توفرها الشاشة الحقيقية، وعندما عرض علىّ دانيال تشونج دور (ملكة الفراشات)، ضحكتُ كثيرًا لأنها شخصية تمتلك إيجو (Ego) هائلًا رغم رقة أجنحتها!». وأضافت عن شغفها بالأدوار غير التقليدية: «لا يهمنى حجم الظهور بقدر ما يهمنى الأثر، فى (Hoppers) شعرتُ أن هذه الملكة تمثل صوتًا للطبيعة التى تحاول حماية نفسها من حماقات البشر، ولكن بطريقة كوميدية وساخرة، أحببتُ فكرة أن الجمهور لن يرانى، بل سيشعر بسلطة الملكة من خلال نبرة صوتى فقط».

من ناحية أخرى أكد «تشونج» أن الانتقال إلى الرسوم ثلاثية الأبعاد (CG) كان تحديًا كبيرًا، وأوضح: يجب أن يكون العمل سينمائيًا، والشخصيات تبدو وتتحرك بشكل مختلف، عليك أن تكتشف ذوقك البصرى داخل هذا الأسلوب.

وأشار إلى درس مهم تعلمه أثناء تنفيذه للمشروع، قائلا: كل فيلم من بيكسار لديه لغة تحريك خاصة به، ربما لا يلاحظ المشاهد ذلك، لكن طريقة الحركة والفيزياء تختلف من فيلم لآخر، وأضاف أنه استلهم من عدة مصادر مثل أفلام Aardman وأعمال بيكسار المختلفة، ليبنى تدريجيًا لغة بصرية خاصة بالفيلم.

أيضًا كشف كاتب السيناريو جيسى أندروز عن كواليس تطوير العمل، ورؤيته المختلفة لعالم الحيوانات، والرسائل التى يسعى الفيلم لتقديمها، قائلًا: «أردنا التعمّق فى الطبيعة والتعامل معها بصدق، حتى فى شدّتها وقسوتها أحيانًا، ففى البداية، سألنا أنفسنا: إذا كنا سنقدم فيلمًا جديدًا عن الحيوانات، كيف يمكن أن نجعله مختلفًا؟ ما المساحات التى لم تُستكشف بعد؟، وذلك بدلًا من تقديم الحيوانات كأنها مجرد بشر يرتدون فراء، حاولنا الحفاظ على طبيعتها الحيوانية قدر الإمكان، مع جعلها فى الوقت نفسه مضحكة وقريبة من الجمهور وسهلة التمييز».

وحول ما إذا كان مقصودًا منذ البداية أن الفيلم يحمل طابعًا بيئيًا واضحًا فقال أندروز: «بالتأكيد كان مقصودًا، لأن القصة تدور حول الطبيعة فى الوقت الحالى، كان من الطبيعى أن تتناول فكرة التغيير، الطبيعة نفسها تمر بتحولات مستمرة، وشخصية (مايبل) تعيش هذا التحول وتحاول فهمه، هذا البعد أضاف عمقًا عاطفيًا مهمًا للفيلم».

وعن الرسالة الإنسانية فى هذا الفيلم أكد: «فى جوهره، الفيلم يتحدث عن التواصل ليس فقط بين البشر، بل بين جميع الكائنات، ففكرة أن نفهم الآخر، حتى لو كان مختلفًا تمامًا عنا، كانت عنصرًا أساسيًا فى بناء القصة، ففيلم Hoppers ليس مجرد فيلم ترفيهى، بل عمل يسعى لإعادة تعريف طريقة تقديم الحيوانات فى السينما، مع التركيز على الواقعية، العاطفة، والرسائل الإنسانية العميقة.

من ناحية أخرى قالت بايبر كوردا التى جسدت شخصية مايبل تانكا فى المرحلة الجامعية «إن الفيديوهات التى كانت تقدمها على التيك توك كانت السبب وراء اختيارها لأداء الشخصية المحركة للأحداث، حيث تجسد دور الشابة البالغة من العمر ١٩ عامًا وهى محبة شغوفة بالحيوانات تتسلل إلى عالمها بعدما تكتشف تقنية قادرة على نقل وعى الإنسان إلى روبوتات تحاكى الكائنات الحية.

ويؤدى الممثل جون هام شخصية العمدة «جيرى جينيرازو»، الذى يجد نفسه فى مواجهة مع حيوانات غابة ذكية، وقال عن رؤيته للفيلم لأول مرة بقاعات العرض: «كنت أبكى مثل طفل فى الرابعة من عمره فى نهاية الفيلم. إنه مؤثر للغاية، إنه رائع». وتابع عن شخصيته: «لنقل إنه خصم فى البداية، لكنه يخوض رحلة عاطفية، ويكتشف أن الطريقة الأفضل لحل الصراعات ربما تكون فى الاستماع للطرف الآخر بدلًا من تجاهله، ربما يمكن للكثيرين منا أن يتعلموا من هذا الدرس». وأشار إلى أهمية التحضير الصوتى قبل التسجيل: «يجب أن تقوم بتمارين إحماء لصوتك، وأن تتأكد من أنك لست مرهقًا أو متوترًا. عليك أن تحمى صوتك»، وأضاف أنه فى المشاهد التى تتطلب صراخًا أو مجهودًا صوتيًا كبيرًا، يجب الانتباه حتى لا يُصاب الصوت بالبُحّة.

وتحدث عن طبيعة العمل فى أفلام الرسوم المتحركة: «يستغرق إنتاج فيلم أنيميشن سنوات، مع عمل مستمر من الفنانين»، وأوضح أن الأداء الصوتى يختلف عن التمثيل أمام الكاميرا، حيث لا توجد أزياء أو مواقع تصوير، بل يعتمد الأمر على الخيال، مضيفًا: «أنت لست محدودًا إلا بالقصة التى تريد روايتها. إذا استطعت تخيلها، يمكنهم رسمها. أجد ذلك مدهشًا».

من جانبه أكد النجم الكوميدى بوبى موينهان أن تجربته فى «Hoppers» منحته فرصة مميزة لتقديم نوع مختلف من الكوميديا لم يقدمه من قبل، حيث يجسد شخصية الملك جورج، وهو قندس يتمتع بحضور قوى داخل القصة، ويلعب دورًا محوريًا فى الجانب الكوميدى للفيلم، كما أن الشخصية ليست مجرد مصدر للضحك، بل تحمل أيضًا حكمة خاصة من خلال «قواعد البركة»، وأسلوبه القيادى الغريب لكنه مؤثر، كما أن الشخصية تحمل مزيجًا بين الطرافة والعمق.

وأشار إلى أنه أثناء تسجيله الصوت وجد بوبى حرية كبيرة فى الارتجال أحيانًا، تجربة نبرات وأداءات مختلفة، كما عمل على تطوير الشخصية تدريجيًا مع الفريق، وهذا ما جعله يشعر بأنه «يستعرض عضلاته الكوميدية» بطريقة جديدة، خاصة فى قالب أنيميشن يسمح بالمبالغة والتجريب.

وعلى الرغم من الطابع الكوميدى لشخصية الملك جورج، فإنها تخدم رسالة الفيلم الأكبر حيث يظهر أهمية المجتمع، والتعاون بين الأفراد والتوازن مع الطبيعة، وهو ما يجعل الكوميديا هنا ليست هدفًا فقط، بل وسيلة لإيصال فكرة أعمق.