ظهر الثلاثاء 24 آذار 2026 أغلق عناصر من الجيش اللبناني الممر الذي يربط الساحة أمام المحكمة العسكرية في بيروت بالمدخل الخلفي لقاعة المحكمة وأجبروا المحامين والصحافيين على الدخول إلى غرفة المحامين ثم أُغلقوا الباب عليهم. وعند السؤال عن سبب البلبلة الفجائية، أتانا الجواب: “في حدا مهم مستدعيينه على المحكمة”، ليتبيّن، بعد فتح الأبواب، والسماح لنا بدخول قاعة المحكمة، أنّ هذا الشخص هو الفنان الموقوف فضل شاكر.
ورغم أنّ جلسة استجواب شاكر كان رقمها 21 على جدول الجلسات في ذلك اليوم، ومع أنّ العادة جرت أن تعقد المحكمة العسكرية الجلسات المتعلقة بالجنح قبل جلسات الجنايات، إلّا أنّ المحكمة آثرت تقديم موعد جلسة شاكر التي بدأت ظهرًا قبل أن تنظر بقضايا الجنح.
تأتي هذه الجلسة ضمن عدة محاكمات يخضع لها شاكر منذ أن سلّم نفسه لمخابرات الجيش في 4 تشرين الأوّل من العام الماضي، ما أدّى إلى إعادة محاكمته حضوريًا وإسقاط الأحكام الغيابية الصادرة بحقه سابقًا. ووفقًا لوكيلته أماتا مبارك، رفضت المحكمة طلبات لإخلاء سبيل شاكر أربع مرّات.
ويُحاكم شاكر حاليًا أمام المحكمة العسكرية في أربعة دعاوى مختلفة ترتبط بأحداث عبرا التي شهدت مواجهات بين الجيش اللبناني ومجموعة أحمد الأسير عام 2013. ويتعلّق الملف الأوّل بتأليف مجموعات مسلّحة والنيل من سلطة الدولة وهيبتها والتعرّض للمؤسسة العسكرية وإثارة عصيان مسلّح ضدّ السلطات القائمة ونقل سلاح حربي من دون ترخيص والحضّ على النزاع بين الطوائف وعناصر الأمّة والحضّ على محاولة قتل ضباط وعناصر من الجيش اللبناني أثناء قيامهم بالوظيفة، كما والتدخّل في جرمي حيازة مواد متفجّرة وارتكاب أعمال إرهابية.
والملف الثاني يتعلّق بتمويل مجموعة أحمد الأسير المسلّحة والإنفاق على أفرادها وتأمين أسلحة وذخائر حربية. الثالث يتعلّق بالتدخّل في أعمال الإرهاب الجنائية عن طريق تقديم خدمات لوجستية. أما الملف الرابع، فيتعلّق بتصريح أدلى به شاكر خلال مقابلة صحافية عام 2014 يتضمّن أقوالًا “تؤدي إلى تفكيك علاقة لبنان بدولة عربية وعلى إثارة النعرات والمسّ بسمعة المؤسسة العسكرية”.
كما يُحاكم في قضية خامسة أمام محكمة الجنايات في بيروت بتهمة محاولة قتل مسؤول سرايا المقاومة في صيدا هلال حمود عام 2013.
وفيما عقدت المحكمة العسكرية سابقًا جلسات سريّة للنظر في هذه الدعاوى بناء لطلب شاكر حيث تم استجوابه من دون حضور وسائل الإعلام، عقدت جلسة 24 آذار بشكل علني مما أتاح لـ “المفكّرة” مراقبتها. وقد خصصت هذه الجلسة للاستماع إلى إفادة الشاهد وليد البلبيسي، وهو مرافق شاكر، حول أحداث عبرا، ثم أرجئت الجلسة إلى 26 أيّار بناء على طلب وكيلته.
ترأس المحكمة العميد وسيم فياض، يعاونه المستشار المدني القاضي عباس جحا، والمستشاران العقيد بربر سركيس والعقيد رواد قازان والعقيد سياد فواز بحضور معاون مفوض الحكومة القاضي نضال الشاعر.
وأُحضِر فضل عبدالرحمن شمندر، المعروف باسم فضل شاكر، موقوفًا، ومثل أمام المحكمة مخفورًا وبدون قيد في حضور وكيلته المحامية أماتا مبارك. وبعكس الموقوفين الآخرين الذين ينتظرون دورهم للمثول أمام المحكمة داخل قفص الاتهام، بقي شاكر خارجه. فحلّ “ضيفًا” على المحكمة بهندامه النظيف وحذائه اللامع.
وقف شاكر أمام قوس المحكمة وإلى جانبه وكيلته. وبعد أن أكّد لرئيس المحكمة أنّه لا يريد الإدلاء بأي إفادة، استمع إلى إفادة الشاهد وليد أحمد البلبيسي، رفيق طفولته ومرافقه الخاص، الذي رافقه في أحداث عبرا في حزيران 2013. وكان البلبيسي سلّم نفسه إلى مديرية المخابرات سنة 2017 للاشتباه بمشاركته بالاعتداء على الجيش في معركة عبرا ومحاولة اغتيال أحد رجال الدين، قبل أن يُحاكم ويقضي عقوبته، وهو يعمل حاليًا في سوبرماركت.
شهادة بتناقضات عدّة
تمحورت أسئلة المحكمة للشاهد البلبيسي حول دور شاكر خلال أحداث عبرا. وأثارت شهادته علامات استفهام عدّة لدى المحكمة ومفوض الحكومة لحملها تصريحات متناقضة، ولتغيير أقواله غير مرة أمام قوس المحكمة، ولتناقضها مع إفادات شاكر الذي أشار إليه بـ “عبد الرحمن” طوال الجلسة، وفقًا لما ظهر من تعليق رئيس المحكمة. ونعرض هنا أبرز ما جاء فيها:
1- ترك شاكر وحده خلال أحداث عبرا:
رغم أنّه مرافقه الخاص، أفاد البلبيسي أنّه ترك فضل شاكر في الاستوديو (شقة صغيرة) الخاص به وحده خلال المعارك ونزل إلى الملجأ. ويقول البلبيسي إنّ المعارك بدأت ظهرًا: “فيّقوني قالولي فيه إطلاق نار بين الأسير والجيش”. عندها، ذهب إلى الشقة التي كان يقطنها شاكر فوجده مستيقظًا لتوّه من نومه وكان يغسل وجهه. فقال له شاكر “نحن ما خصنا” وأن ينزل إلى الملجأ التابع لجماعة أحمد الأسير، وسيلحق به عندما ينتهي.
ورغم أنّ المعارك استمرت حتى الفجر من اليوم الثاني، يقول البلبيسي أنّه لم يسأل عن شاكر ولم يكن يعرف عنه شيئا. فقط ذكر أنه كان بالاستوديو مع “شخص لا يتذكره”.
وذكر البلبيسي أنّه بعد هدوء المعارك، انتقل مع شاكر إلى منطقة الشرحبيل، في ضواحي صيدا، قبل الانتقال إلى المخيّم، من دون أن يوضح أين مكثا وماذا فعلا في شرحبيل.
2- هل ذهب شاكر إلى الملجأ؟
عن الخروج من شقة شاكر، قال البلبيسي إنه خرج من الملجأ ليلتقي شاكر في الاستوديو ويخرجا معًا. فردّ العميد أنّ بعض الناس رأوه في الملجأ، لتراجع البلبيسي ويوضح: “بالكاد نزل”. ثم قال إنّه عبر من الملجأ لكي يخرج من الاستوديو. وبعد تكرار السؤال، رسا جوابه على أنّ شاكر مكث لمدة عشرة دقائق في الملجأ.
3- تناقضات حول وجود السلاح
وعند سؤاله عمّا إذا زار مسلحون استوديو شاكر، أنكر البلبيسي علمه بزيارات من هذا النوع. كما أنكر وجود سلاح في الشقة من دون أن يُسأل عنه. فوجّه معاون مفوض الحكومة سؤالًا عن السلاح مرة أخرى في مداخلته الأولى خلال الجلسة: “كان في سلاح مع الأسير وجماعة فضل. كيف كان يجي؟ ومين كان يدفع حقه؟”
عندئذ، تراجع البلبيسي وقال: “كان في كم بارودة، كم شغلة بس كلّن مرخصين بـ اسم فضل. كان عنده ياهن من قبل”. أما عن الأسلحة الأخرى، فأوضح أنّه كان قد سلمها شخصيًا لقيادة الجيش في صيدا قبل أحداث عبرا بأسبوع أو عشرة أيام تقريبًا.
4- التباس حول عدد مرافقي شاكر
عندما سأل رئيس المحكمة العسكرية البلبيسي عن عدد المرافقين الذين كانوا مع شاكر، أجاب أنّ عدد المرافقين في الحماية القديمة والجديدة يتراوح بين 8 و10 أشخاص، ليردّ عليه العميد فياض بأنّ شهادات آخرين تقول إنّ العدد يتراوح بين 18 و20 شخصًا.
ثم سأله عما إذا كان قد تعرّف إلى أسمائهم، وذكر بعض الأسماء، ليجيب البلبيسي بالإيجاب أحيانًا وينكر معرفته بمرافقين آخرين أحيانًا أخرى.
واستغرب رئيس المحكمة غياب أي عناصر حماية لفضل في وقت المعارك، ليجيب وليد: “كانوا ببيوتن وأشغالن. في ناس دقوله ع التلفون. قلّن ما تطلعوا”.
ورغم إفادته أنّه كان مرافق شاكر الشخصي ومرافق العائلة، أنكر معرفته بالأمور العائلية متذرّعًا أنه “فقط يشتري لهم حاجياتهم”، ولا يعرف أين كانت عائلة شاكر وقت إطلاق النار.
5- تضارب مع إدلاءات شاكر
سأل رئيس المحكمة البلبيسي عن كيفية تواصل الأسير مع المجموعات الباقية. ليرد وليد: “محل ما كنا قاعدين (أي الملجأ) ما في جماعات الأسير”، رغم أنّه أفاد سابقًا أن الملجأ كان يعود لجماعة الأسير.
فأعاد العميد طرح سؤاله: “ما كنت شايف شي بالملجأ؟”، ليرد البلبيسي أنه كان وحده، ما دفع ممثل النيابة للاستنكار “حاسس الشاهد كان وما كان”، معطيًا فرصة للشاهد لتوضيح إفادته. وأضاف العميد: “هيدي شهادة ما بتتقرش. إنت مرافقه كيف تركته؟” فبرر البلبيسي أنّه ليس مرافق شاكر الأساسي، بل إنّ معه مرافقين اثنين غيره: “محمد بركات وواحد تاني نسيت اسمه”. ليواجهه رئيس المحكمة بمعلومات يعرفها من قبل: “محمد بركات حكا مع فضل شاكر وحكا معك ع الجهاز اللي كان مع فضل. وسلمه السلاح”. فأنكر البلبيسي أنّ شاكر كان يحمل سلاحًا.
ثم عاد رئيس المحكمة إلى موضوع المرافقة: “الحماية كانوا بأُمرة مين؟” ليرد البلبيسي أنّهم كانوا تحت إمرة شاكر، منكرًا أنّهم كانوا يأتمرون من أحمد الأسير. فعارضه رئيس المحكمة بشهادة أدلى بها شاكر سابقًا: “بيقول فضل إنه الأسير استلمن”. فرد البلبيسي: “ما بعرف هيدا الموضوع”.
ختمت المحكمة استماعها للشاهد بسؤال أخير وجهّه رئيسها: “إنتو وقتا فليتوا رجع حدا جاب الأسير راح معكن؟” فأجاب البلبيسي بالنفي.
لم يعلّق شاكر على الشهادة، وكذلك لم تفعل وكيلته التي استمهلت لتقديم طلبات، لتختم المحكمة الجلسة وترجئ المحاكمة إلى جلسة في 26 أيار، قبل أن يغادر فضل شاكر من الباب الجانبي بينما انتظر الموقوفون الآخرون دورهم في الغرفة إلى جانب قفص الاتهام.
