يبدأ الصراع قبل بدء الحرب ولا ينتهي مع نهايتها، وتستعد الأطراف المتصارعة لبدء الحرب بأدوات متنوعة، لعل أهمها “القوة الناعمة”، التي تتمثل في جزء منها في الثقافة بكل تجلياتها، لكن أبرزها الأفلام السينمائية، بما لها من قدرة على التأثير في الشعوب وتوجيه العقول وصناعة الوعي وبناء التصورات.

وتكشف تجارب متعددة عبر دول مختلفة أن السينما تُستخدم بطرق متنوعة، تتراوح بين تقديم صورة بطولية للمؤسسة العسكرية، أو إعادة صياغة التاريخ، أو إبراز البعد الإنساني لمجتمع ما، فيما يشبه “حرب صورة” موازية، لا تقل أهمية عن أي صراع سياسي أو عسكري.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of listالسينما تصنع السياسات

ويعود مفهوم “القوة الناعمة” إلى عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، الذي عرّفها بأنها “القدرة على التأثير في الآخرين دون إكراه، عبر الجاذبية الثقافية والقيم”، ويذكر في كتابه “الحياة في القرن الأمريكي” (A Life in the American Century) أن “الصور تنقل القيم بقوة أكبر من الكلمات”.

وتعد هوليود أكبر مروج ومصدر للرموز البصرية في العالم. وليست الأفلام بالضرورة أدوات دعائية مباشرة، بل إنها تعمل عبر بناء قصص وشخصيات تُجسد قيما معينة. وبدلا من أن تقول دولة ما “نحن أقوياء”، تقدم فيلما يُظهر بطلا يجسد هذه القوة. وبدلا من أن تدافع عن سياساتها، تعرض قصة إنسانية تجعل الجمهور يتعاطف معها.

وتشير دراسات عديدة إلى أن السينما لها دور في تشكيل الرأي العام، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على الصورة مصدرا أساسيا للمعلومة. وفي تقرير نشرته، تؤكد كلية “هارفارد كينيدي سكول” (Harvard Kennedy School) -التابعة لجمعة هارفارد الأمريكية- أن المنتجات الثقافية، بما فيها الأفلام، تُعد جزءا من أدوات النفوذ الدولي.

ولا تتخذ العلاقة بين السينما والدولة شكلا مباشرا دائما، إذ قد تتخذ شكل دعم غير معلن، أو تسهيلات إنتاجية، أو تعاون مؤسسي، كما في الولايات المتحدة، التي تقدم وزارة الحرب فيها دعما لعدد من الأفلام مقابل مراجعة السيناريو، وفق ما وثقته تقارير في صحيفة الغارديان البريطانية.

توم كروز في فيلم توب غن(آي إم دي بي)توم كروز في فيلم “توب غن” (آي إم دي بي)هوليود والجيش

استخدم صناع الأفلام في هوليود الأفلام في نشر ثقافات بعينها وتشويه إثنيات محددة، ولعل النموذج الأشهر هو ما أورده الباحث جاك شاهين في كتابه “العرب السيئون”، والذي يؤكد فيه أن التوجه نحو تشويه العربي يكاد يكون نشأ مع صناعة الأفلام نفسها.

وفي ثمانينيات القرن الماضي، ساهمت أفلام مثل “رامبو: الدم الأول” (Rambo: First Blood Part II) و”كوماندو” (Commando) في بناء أسطورة الجندي الأمريكي ذي القوة الخارقة، القادرة على تحقيق النصر حتى في سياقات الهزيمة، كما في إعادة تخيل حرب فيتنام.

وقد أشار الرئيس الأمريكي رونالد ريغان -بحسب صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times)- إلى تأثير تلك الصورة الخيالية حين قال في خطاب عام 1985 إنه بعد مشاهدة “رامبو” أصبح يعرف كيف يتعامل مع أزمات الرهائن.

وجاء فيلم “توب غن” (Top Gun) عام 1986، من إخراج توني سكوت وبطولة توم كروز في دور الطيار الشاب “بيت ميتشل” المعروف بـ “مافريك”، إلى جانب فال كيلمر في دور “آيسمان”، ليقدم نموذجا أكثر واقعية وجاذبية لصورة الطيار المقاتل داخل المؤسسة العسكرية.

وقد تعاونت البحرية الأمريكية مع صناع الفيلم، ووفرت حاملات طائرات ومعدات عسكرية للتصوير، وهو ما انعكس على الطابع البصري للعمل.

واستمرت هذه العلاقة عبر أفلام تناولت الحروب الأمريكية من زاوية الفرد الجندي، من بينها “القناص الأمريكي” (American Sniper) عام 2014، من إخراج كلينت إيستوود وبطولة برادلي كوبر في دور القناص “كريس كايل”، الذي يُقدَّم بوصفه أحد أبرز القناصين في تاريخ الجيش الأمريكي في حرب العراق، مع تركيز واضح على البعد النفسي والشخصي للشخصية، إلى جانب مشاهد العمليات العسكرية.

كما يبرز فيلم “زيرو دارك ثيرتي” (Zero Dark Thirty) عام 2012، من إخراج كاثرين بيغلو وبطولة جيسيكا شاستين في دور محللة الاستخبارات “مايا”، التي تقود مسار البحث عن أسامة بن لادن، حيث يعرض الفيلم تفاصيل عمليات استخباراتية معقدة، ويركز على الإصرار الفردي داخل منظومة أمنية واسعة، مع حضور لافت لشخصيات محققين وضباط يعملون ضمن برامج استجواب سرية.

لم تمر هذه الأعمال دون جدل، إذ أشار تقرير صادر عن لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أن فيلم “زيرو دارك ثيرتي” قدّم تصورا مثيرا للجدل بشأن دور تقنيات الاستجواب القاسية، بما في ذلك التعذيب، في الوصول إلى معلومات استخباراتية، وهو ما فتح نقاشا واسعا حول العلاقة بين السينما والرواية الرسمية للأحداث.

مشهد من الفيلم الصيني الأرض التائهة @(آي ام دي بي)مشهد من الفيلم الصيني الأرض التائهة (آي ام دي بي)الصين وصناعة الصورة العالمية

وبالتوازي مع صعودها الاقتصادي والعسكري، برزت الصين قوة سينمائية صاعدة في السنوات الأخيرة، ليس فقط على مستوى الإنتاج، بل أيضا في استخدام السينما لإعادة صياغة صورتها عالميا.

ويعد فيلم “الأرض التائهة” (The Wandering Earth) من أبرز الأمثلة على هذا التحول، إذ قدم عام 2019 تصورا مغايرا للخيال العلمي التقليدي، حيث لا يكون “المنقذ” فردا استثنائيا، بل منظومة بشرية تقودها رؤية جماعية تتصدرها الصين.

تدور قصة “الأرض التائهة” حول تهديد وجودي يتمثل في تمدد الشمس واقتراب نهايتها، مما يدفع البشرية إلى تبني مشروع غير مسبوق تقوده “حكومة الأرض المتحدة”، وذلك عبر بناء آلاف المحركات العملاقة لدفع كوكب الأرض نفسه خارج النظام الشمسي نحو نجم آخر. لكن الرحلة تتحول إلى أزمة حين تنجذب الأرض إلى كوكب المشتري، لتصبح البشرية على حافة الفناء.

وفي فيلم “المحارب الذئب 2” (Wolf Warrior 2)، الذي لعب بطولته وأخرجه وو جينغ، يظهر نموذج الجندي الصيني الذي يتدخل لإنقاذ مواطني بلاده في منطقة نزاع بأفريقيا. وحقق الفيلم نجاحا استثنائيا داخل الصين، بإيرادات تجاوزت 850 مليون دولار، وهو رقم قياسي محلي، ويعكس تعطش الجمهور لسرديات وطنية تُظهر الصين قوة قادرة على حماية مواطنيها عبر العالم.

السينما الإيرانية.. خطاب إنساني

على عكس النماذج الصينية التي تميل إلى إبراز الدولة بوصفها فاعلا مركزيا في إنقاذ العالم أو حماية المواطنين، تقدم السينما الإيرانية نموذجا مختلفا تماما في استخدام القوة الناعمة، وهو الفرد العادي ومن التفاصيل اليومية.

ويُعد فيلم “انفصال” (A Separation) للمخرج أصغر فرهادي، الصادر عام 2011، أحد أبرز تجليات هذا الاتجاه.

تدور أحداث الفيلم حول زوجين من الطبقة الوسطى، وتطلب سيمين الطلاق بعد رفض نادر مغادرة إيران لرعاية والده المصاب بمرض ألزهايمر.

لكن هذا القرار البسيط ظاهريا يتطور إلى سلسلة من الأحداث المعقدة، حين تستعين الأسرة بممرضة متدينة لرعاية الأب، مما يؤدي إلى حادثة تتشابك فيها القوانين والدين والطبقة الاجتماعية.

ملصق الفيلم الإيراني انفصالملصق الفيلم الإيراني “انفصال” (الجزيرة)

على عكس التناول الصيني في “الأرض التائهة” أو “المحارب الذئب 2″، لا تحمل الشخصيات هنا رمزية الدولة، بل تمثل تناقضات الطبقة الوسطى (نادر وسيمين) والصراع بين الإيمان والضرورة الاقتصادية (راضية)، ويصور ضغط المجتمع والقانون على الفرد.

وبعكس السينما التي تسعى لتقديم صورة مثالية عن الدولة، يذهب “انفصال” في الاتجاه المعاكس، حيث يعرض مجتمعا مليئا بالتوترات، ويكشف الفوارق الطبقية والدينية، ويضع الشخصيات في مواقف أخلاقية مستحيلة.

السعودية على الطريق

وتشهد السنوات العشر الأخيرة ظهور نماذج جديدة في استخدام السينما أداة للقوة الناعمة، من بينها السعودية، التي انتقلت في فترة قصيرة من غياب شبه كامل لدور العرض إلى محاولة بناء صناعة سينمائية متكاملة، بالتوازي مع صعود لاعبين جدد عابرين للحدود مثل المنصات الرقمية.

وقد بدأ التحول الفعلي عام 2018، حين رفعت المملكة الحظر عن دور السينما بعد نحو 35 عاما، في خطوة اعتُبرت جزءا من إعادة تشكيل المشهد الثقافي ضمن “رؤية 2030”.

ومنذ ذلك الحين أخذت الدولة مسارا مزدوجا يجمع بين بناء بنية تحتية محلية تشمل دور العرض وبرامج التدريب ودعم الإنتاج، وبين الانفتاح على الصناعة العالمية عبر جذب شركات الإنتاج والتصوير داخل البلاد.

وتم تأسيس مهرجان البحر الأحمر السينمائي ليصبح منصة مركزية لعرض الأفلام العربية والعالمية واستقطاب صناع السينما، إضافة إلى تقديم السعودية مركزا ثقافيا ناشئا. وتحولت مناطق مثل العلا ونيوم إلى مواقع تصوير لأعمال دولية، في محاولة لربط الجغرافيا المحلية بالسرد العالمي.

JEDDAH, SAUDI ARABIA - DECEMBER 04: A general view of the stage during the Opening Ceremony at the Red Sea International Film Festival 2025 on December 04, 2025 in Jeddah, Saudi Arabia. (Photo by Tim P. Whitby/Getty Images for The Red Sea International Film Festival)افتتاح مهرجان البحر الأحمر السينمائي عام 2025 (غيتي)

ولا يهدف الصعود السعودي إلى دعاية مباشرة، بقدر ما يعيد تقديم المجتمع نفسه بصورة تجمع بين الحداثة والانفتاح، مع الحفاظ على عناصر الهوية الثقافية، وهو ما يجعل التجربة السعودية مختلفة عن النموذجين الصيني والإيراني، إذ تمزج بين الدعم المؤسسي والانفتاح على السوق في آن واحد.

تتداخل الحدود بين الفن والسياسة بشكل متزايد، لكن المؤكد أن السينما لم تعد مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبحت أداة تشارك في صياغته.

وبين الأساطير التي تُبنى على الشاشة، والسرديات التي تُعاد كتابتها، تظل الصورة السينمائية واحدة من أقوى أدوات التأثير في عالم اليوم، إذ تُخاض بها الحروب بلا رصاص.

المصدر: الجزيرة + الصحافة الأجنبية + الصحافة العربية