القصيدة.. ذلك الفضاء الذي يرى فيه الشاعر عالمه الفسيح المتسع لمضامينه الثرية، يسافر فيه بخيالاته ومشاعره الجارفة، فيرسم ما انطبع في وجدانه من المعاني والأفكار، ويبث خلجات صدره فتتجسَّد أبياتاً وقوافي وإيقاعات مطربة.
لكنَّ رواية الأدب قد لا تتوقف عند تلك الحدود، فترى شاعراً ينجذب إلى أشكال أخرى غير الشعر الذي حمل همومه وأحلامه، ويجرب ألواناً إبداعية جديدة عليه، أبرزها الرواية ذات الرواج الكبير في عصرنا الراهن، التي اختطفت قلوب طائفة عريضة من الكتَّاب والقرَّاء في الوسط الثقافي. وفي هذا السياق، ارتحلت «البيان» مع شعراء ممن اجتذبتهم الرواية بسردياتها المنفتحة، لتكتشف الأسباب التي دفعتهم فاستجابوا لتأثيراتها الفاتنة، والظروف التي جعلتهم يمضون معها إلى آفاق من جماليات التعبير، وإن ظلوا حافظين عهودهم الأولى مع القصيدة.
توسيع مساحات
وأوضح الكاتب والشاعر الإماراتي محمد الحبسي، الذي صدرت له رواية «كوخ الشيطان»، أن توجُّه بعض الشعراء نحو كتابة الرواية يرتبط برغبتهم في توسيع مساحات التعبير، وأن الشعر يقوم على التكثيف والومضة، أما الرواية فتتيح بناء عوالم وشخصيات وسرد ممتد يعكس تفاصيل الحياة وتعقيداتها، مشيراً إلى أن من أبرز الدوافع أيضاً سعي الشاعر أحياناً إلى الوصول إلى جمهور أوسع؛ إذ إن للرواية حضوراً أكبر في المشهد الثقافي والنشر العربي والعالمي. وقال: «لا شك أن هناك موضوعات يستعصي على القصيدة وحدها تناولها بشكل مسهب، وخصوصاً تلك التي تحتاج إلى فضاء سردي طويل، مثل التاريخ، والتحولات الاجتماعية، والقصص الإنسانية المركَّبة وما شابه»، مؤكداً أن الرواية هنا تكون أكثر قدرة على احتضان الفكرة وتقديمها بتفاصيلها الغنية والمتشعبة. وعن مدى إمكانية إحداث تناغم بين الشكلين الأدبيين بصورة تفتح للشاعر آفاقاً جديدة في الإبداع ولا تُخسره القدرة الشعرية، رأى الحبسي أن هذا النوع من التناغم ممكن ومثمر متى ما حافظ الشاعر على وعيه باختلاف الأداتين، موضحاً أن الشاعر حين يكتب الرواية يستطيع أن يضخ لغتها بطاقة شعرية تمنح النص فرادته، من دون أن يُفقده نسقه السردي. وأضاف: «صحيح أن التكثيف الشعري والسرد الروائي تقنيتان تبدوان متنافرتين، لكن الأديب المتمرس قادر على الجمع بينهما بالاقتصاد في اللغة من جهة، وبناء عالم حكائي متماسك من جهة أخرى»، لافتاً إلى أن هذا الجمع هو ما يصنع أسلوباً خاصاً يميز الكاتب، ويفتح أمامه آفاقاً جديدة في الإبداع.
سلطة الشكل
من جانبه، أكد الشاعر المصري الدكتور حمزة قناوي أن الشكل الأدبي يفرض نفسه على مضمون العمل المتناوَل؛ فما يُعبَّر عنه شعراً من الصعب أن يصاغ في رواية أو عمل سردي، والعكس صحيح، موضحاً أن المسألة بالنسبة إليه لم تكن قسرية أو مختلقة، وأنه لا يحاول اعتساف شكل وجنس النوع الأدبي الذي يكتب فيه. وقال قناوي: «لي روايتان، الأولى «المثقفون»، وحاولت فيها أن أرصد كواليس وحقيقة كثير من المثقفين الذين قادتني الحياة إلى التقاطع معهم منذ ربع قرن، والثانية «من أوراق شاب مصري» التي حاولت فيها أن أمثّل جيلي بكامله في تجربته السياسية والاجتماعية في مصر خلال العقدين الماضيين»، مبيناً أن المعيارية التي يقاس بها الشعر وتوزن جمالياته تختلف تصنيفياً ونقدياً عن احتكامات الرواية، وأنه لا توجد، في تصوره، موضوعات للشعر، إنما هناك رؤية.
وأضاف: «هذه الرؤية، إن نبعت عن موقف أو حس يُعبَّر عنها بلغة عليا، بأقصى ما في اللغة من طاقات جمالية واسطاطيقية».
ورأى أنه لا تعارض بين أعمال الحقول النوعية المختلفة التي يقدّمها، وأنه في النهاية يمكن التعامل مع الفن أو الأدب بتفكيك مكوناته وتحليل أدبيته وفق هذه المكونات، وصولاً إلى دوره ووظيفته، وهي خلق الوعي بصورة مغايرة للواقع في سياقات جمالية مختلفة وفق ما تملي طبيعة النوع الأدبي الذي أقدمه، لافتاً إلى أن مستويات الأعمال التي يقدمها الأدباء لا تقف في النهاية على قدم المساواة. وخلص إلى أن المسألة تخضع لقدرات كل شاعر وإجادته للفن الذي يكتب في إطاره، وخبرته الإبداعية، وإلمامه بطبيعة الفوارق النوعية بين أشكال الأدب المختلفة.
ورأى الشاعر الموريتاني محمد فاضل عبداللطيف، الذي صدرت له رواية «تيرانجا»، أن القضايا هي ما يدفع الشاعر إلى هجر نسقه والبحث عن ساحة أرحب لقضاياه التي يود نقاشها، وأن هذا مدخل إلى لب القضية، وهو آلية التعبير، مشيراً إلى أن الشعراء عادةً يزامنون في استخدام النسقين، الشعر للتعبير عن الانفعالات، والسرد لنقاش الأفكار والثقافات وتحليلها، وأن هذا يعني قدرة الرواية على فتح مجالات جديدة للشاعر دون أن تغلق مساره القديم. وأوضح أن الموضوعات ككل تليق بالرواية، بينما الذات والمشاعر الشخصية يصلح التعبير عنها بشكل أجمل في الشعر، وأنه يمكن أن يحدث تلاقح بين الشكلين الأدبيين بحسب حساسية التجربة السابقة للشاعر.
عالم الكتابة
من جهتها، قالت الشاعرة المغربية سُكينة حبيب الله، التي صدرت لها 3 روايات: «بريد غير مقروء»، و«لماذا على زبيدة أن تنتحر؟»، و«بيت القشلة»: «كتب غوته شعراً ورواية خالدة ومسرحيات كثيرة، وكذلك فعل فيكتور هوغو، وسيلفيا بلاث، ومارغريت آتوود، وهرتا مولر، وغيرهم كثير»، مؤكدةً أن فعل الكتابة في جوهره يمجّد الحرية، وأن التنقل بين غرف هذا البيت الفسيح المسمى «أدباً» هو أجلى تمظهر لهذه الحرية. وأضافت: «قد يكون للشاعر مآرب أخرى من الأدب، وأن الشعر والرواية قد يبدوان مختلفين للوهلة الأخرى، غير أنهما يلتقيان في النهاية في انتمائهما المشترك إلى عالم الكتابة الواحد والكبير». وأشارت إلى أن الشاعر الجيد قد يكون أقدر على كتابة رواية جيدة من غيره؛ فهو مزود بحساسية لغوية عالية، وقدرة استثنائية على الملاحظة والتقاط التفاصيل، وأحياناً الاستشراف، مبينةً أن التكثيف الشعري لا يتعارض مع السرد الروائي.
