
في الأصل، يُفترض بالفنان أن يكون مساحة جامعة، لا مساحة انقسام. هو صوتٌ يعبر الحدود، يخاطب جمهورًا من مختلف الطوائف والمذاهب والانتماءات، ويتوجّه إلى الناس بوصفهم بشرًا قبل أي شيء آخر. لذلك، لطالما ارتبط اسم الفنان بفكرة “الكل”، لا “البعض”.
لكن، ماذا يحدث عندما تدخل السياسة إلى هذه المساحة؟
في معظم الدول العربية، تبدو الصورة أوضح. هناك، حين تقع أزمة وطنية، يصطفّ الفنان—كما غيره—خلف بلده. يصبح صوته امتدادًا لصوت شعبه، إمّا دعمًا للدولة في مواجهة خطر خارجي، أو تعبيرًا عن غضب الناس في وجه قرارات داخلية. في تلك اللحظات، يتحوّل الفنان إلى مرآة، وإلى لسان حال، وإلى واجهة إعلامية تعبّر عن وجدان عام شبه موحّد.
أما في لبنان… فالمعادلة مختلفة تمامًا.
لبنان ليس كغيره. بلدٌ مركّب، متعدّد، يشبه “البازل” أكثر مما يشبه الكتلة الواحدة. ثمانية عشر طائفة، أحزاب متشعّبة، وانتماءات متناقضة تمتدّ أحيانًا إلى خارج الحدود. لكل فئة رؤيتها، لكل حزب حساباته، ولكل جماعة “حقيقتها” الخاصة.
في هذا المشهد، حين يقرّر الفنان أن يعبّر عن موقف سياسي، لا يعود صوته جامعًا، بل يتحوّل—رغمًا عنه—إلى طرف. يُصفّق له جزء، ويهاجمه جزء آخر. يُحتفى به هنا، ويُلغى هناك. لأنه ببساطة، لا يمكنه أن يمثّل الجميع، في بلدٍ لم يتّفق أهله أصلًا على معنى “الجميع”.
من هنا، تصبح المسألة أكثر حساسية.
الفنان في لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما:
إمّا أن يقول رأيه بوضوح، ويكون مستعدًا لتحمّل كل ما يترتّب عليه من انقسام، وانتقاد، وربما خسارة جزء من جمهوره…
وإمّا أن يختار الصمت، لا ضعفًا، بل إدراكًا لدقّة التوازن، وخشية من أن يتحوّل صوته إلى شرارة في واقعٍ قابل للاشتعال أصلًا.
المشكلة ليست في حقّ الفنان بالكلام—فهذا حقّ بديهي—بل في نتائج هذا الكلام ضمن بيئة هشّة. بيئة لم تنجح بعد في أن تكون “قلبًا واحدًا”، ولا حتى في الاتفاق على أولويات مشتركة. في لبنان، الانتماء غالبًا ما يتقدّم على الوطن، والولاءات تتوزّع، فيما المواطن العادي يبقى الحلقة الأضعف، يحلم فقط بالاستقرار والعيش بكرامة.
وسط كل ذلك، يصبح موقف الفنان سلاحًا ذا حدّين.
فهل يُطلب منه أن يكون صوت ضمير؟ أم أن يُحافظ على كونه مساحة لقاء؟
هل يُغامر بدوره الجامع في سبيل موقف؟ أم يحمي هذا الدور بالصمت؟
لا إجابة واحدة.
لكن المؤكّد أن الكلمة في لبنان ليست تفصيلًا. هي موقف، واصطفاف، وربما أكثر. لذلك، قبل أن يتكلّم الفنان في السياسة، عليه أن يدرك أن صوته هنا… لا يُسمع فقط، بل يُحسب عليه.