للتجربة التشكيلية المغربية بكل تلاوينها وتصنيفاتها، خصوصيتُها المائزة في الفضاء العربي- الإسلامي، يحفزها البحث الصباغي الدائم الذي رافق سيرورة تطور وعيها الجمالي بالأشكال والعلامات البصرية، غير معزولة عن السياقات الجمالية والمناخات الإبداعية العالمية التي تأثرت بها وساهمت، بشكل أو بآخر، في نشأتها وإثراء حداثتها الوليدة. وفي خضم هذه التجربة وما صاحبها من معارض وورشات وسجالات لم تنقطع منذ مرحلة الـتأسيس إلى الآن، يتعرف الباحث على جملة الاتجاهات والأساليب الفنية، التي تعكس مدى التنوع والتباين الذي كان يطبع أعمال الرسامين المغاربة. ولعل سؤال الهوية والمحلية يبرز في طليعة ما طرحته أعمالهم، فعلى محكه اختبروا تأملاتهم وأدوات تعبيرهم الفني، على نحو يكشف عن مغامرة الذات عندهم، الفردية والجماعية في آن.
فاليوم تحتفظ التجربة بصيغ تعبيرية متنوعة وخرائط من البحث والتأمل متراحبة، هي نتاج ما في لوحاتهم من اشتغال خاص وواعٍ على المادة والسند، ومن تواشجات حية وممكنة بين اللون والضوء، بقدر ما يكشف هذا النتاج الحيوي عن اهتمامهم بالبصمة والأثر والحركة والجسد وإيماءاته الموحية.
من جيل الرسامين الجدد الذين أغنوا هذه التجربة باقتراحاتهم الصباغية الخاصة، يمكن أن نذكر يوسف سعدون. فعلاوة على الوعي النظري والتأملي الذي يتمتع به، يعكس مساره التشكيلي جملةَ تحولاتٍ مرّ بها، بدءا من الاشتغال على المكان والضوء، ثم توظيف العلامة التراثية وترميزاتها الثقافية الدالة في الذاكرة المغربية، قبل أن يعكف على الجسد بوصفه مجالا للتعبير عن الطاقة والانفعال، وعن روح الحركة التي يستلهمها من فن الفلامنكو. وإذا كان اللون الأزرق ارتبط عنده بذاكرة البحر وبالأفق المتوسطي، إلا أنه انصرف عنه إلى ألوان أكثر دفئا وترابية، هي أقرب ما تكون إلى الأرض وتوحي بالذاكرة الأولى. فاللوحة عنده ليست سطحا للزينة، بل فضاء تفكير يعبر العلاقة بين اللون والمعنى، وبين المكان والذاكرة، وبين الرمز والهوية. ولهذا يمكن القول إننا بصدد مشروع بصري يتطور وفق رؤية جمالية وفلسفية واعية، يتحرك بالتراكم وبالتحول الطبيعي والإستطيقي داخل المسار نفسه.

*ولدت في تطوان وفتحت عينيك على جمال العمارة وفضاء المتوسط وعبق الحواري والأزقة والقصبات بين مدن الشمال، إلى أي مدى ساهم ذلك في صقل موهبتك الفنية وورطك في عالم اللوحة؟
– أعتقد أن علاقتي بالفن بدأت في الحقيقة من علاقتي بالمكان قبل أي شيء آخر. فقد وُلدت في مدينة تطوان، وهي مدينة ذات خصوصية جمالية ومعمارية استثنائية، حيث تتجاور الذاكرة الأندلسية مع الضوء المتوسطي في تناغم بصري لافت. غير أن جذوري العائلية تمتد إلى مدينة شفشاون، تلك المدينة الجبلية التي تشبه في نظري قصيدة لونية مفتوحة على الأزرق والضوء. أما مرحلة النشأة والدراسة فقد عشتها في مدينة القصر الكبير، وهي مدينة ذات تاريخ ثقافي وإنساني عميق، ترك أثره في تكويني المبكر. هذه الأمكنة لم تكن بالنسبة لي مجرد فضاءات جغرافية عشت فيها، بل تحولت مع مرور الزمن إلى مخزون بصري ووجداني رافقني في تجربتي الفنية. فالفنان في نهاية المطاف لا يرسم المكان، كما هو، بل يرسم الأثر الذي يتركه المكان في ذاكرته. من هنا يمكن القول إن المكان كان أحد المفاتيح الأساسية التي فتحت أمامي باب اللوحة. إذا أردنا النظر إلى الأمر من زاوية فلسفية، فإن المكان في العمل الإبداعي ليس مجرد خلفية للأحداث أو موضوعا للتصوير، بل هو ما يسميه بعض فلاسفة الجمال فضاء للمعنى؛ أي المجال الذي تتشكل داخله علاقة الإنسان بالعالم. لذلك كان من الطبيعي أن تظهر في أعمالي الأولى الأبواب القديمة والأزقة والجدران العتيقة لمدن الشمال، حيث كنت أشتغل على التقاط أثر الضوء واللون على الأسطح المعمارية، في محاولة لإعادة صياغة تلك الذاكرة البصرية داخل اللوحة.

بهذا المعنى، يمكن القول إن تجربتي التشكيلية بدأت من التأمل في المكان، قبل أن تتحول تدريجيا إلى تأمل في الإنسان نفسه. فالمكان هو الذي علمني أولا معنى الضوء واللون والإيقاع البصري، وهو الذي قادني لاحقا إلى البحث عن لغة تشكيلية أكثر تعبيرا وعمقا. وربما لهذا السبب ظل المكان، حتى حين يغيب شكليا من اللوحة، حاضرا في أعمالي كنوع من الأفق الداخلي الذي تنبثق منه الصورة.

*تنتمي إلى طلائع الجيل الجديد. ما هي في نظرك أهم ملامح هذا الجيل؟ وهل واجه صعوبات في إثبات ذاته داخل الوسط التشكيلي المغربي؟
– الحديث عن الجيل لا يمكن أن يكون معزولا عن السياق التاريخي الذي نشأ فيه. فالجيل الذي أنتمي إليه جاء بعد مرحلة تأسيسية فارقة في الفن التشكيلي المغربي، قادها رواد مثل فريد بلكاهية ومحمد شبعة ومحمد المليحي، الذين أسسوا لحداثة بصرية مرتبطة بالهوية والانفتاح في آنٍ واحد. هؤلاء الرواد لم يشتغلوا فقط على الشكل، بل على مشروع فكري داخل اللوحة، ما منح الفن المغربي بعدا نقديا واستقلالية جمالية، لذلك فإن أي جيل لاحق يجد نفسه أمام مسؤولية مزدوجة: احترام هذا الإرث من جهة، وتجاوزه من جهة أخرى، عبر تطوير أدوات ورؤى جديدة. أما أهم ملامح الجيل الجديد، في نظري، فتتمثل في ثلاث خصائص أساسية: أولا: الانفتاح المعرفي والبصري، حيث لم يعد الفنان محصورا في محيط محلي مغلق، بل أصبح متفاعلا مع التيارات العالمية، سواء على مستوى التقنية أو المفهوم أو طرق العرض. ثانيا: البحث عن لغة فردية خاصة، فلم يعد الانتماء المدرسي هو المحدد الأساسي، بل أصبحت القيمة مرتبطة بقدرة الفنان على بناء عالم بصري مستقل، يحمل توقيعه الخاص. وثالثا: إعادة قراءة التراث، من دون الوقوع في الاستنساخ؛ فالتراث لم يعد يُستعمل كزخرفة، بل كمادة قابلة لإعادة التأويل داخل سياق معاصر.
أما على مستوى التحديات، فكل جيل جديد يواجه بطبيعة الحال صعوبة في تثبيت حضوره داخل مشهد فني متنوع ومتغير. لكنني أرى أن معيار النجاح ليس في السرعة أو الضجيج، بل في استمرارية المشروع الفني وعمقه المفاهيمي. الفنان يحتاج إلى زمن كي تتبلور لغته الخاصة. لقد أتيحت لي فرصة عرض أعمالي في معارض داخل المغرب وخارجه، خاصة في فرنسا وإسبانيا وألمانيا، ما ساهم في توسيع أفق التجربة وفتحها على قراءات متعددة. هذا التفاعل الدولي يفرض على الفنان أن يكون أكثر وعيا بموقعه، وأكثر دقة في صياغة رؤيته. في النهاية، أعتبر أن هذا الجيل لا يبحث فقط عن الاعتراف، بل عن تأسيس خطاب تشكيلي مستقل، يقوم على الحرية الفكرية، والبحث المستمر، والالتزام الجمالي. وهذه مسؤولية تتطلب الصبر، والاشتغال العميق، والإيمان بأن اللوحة مشروع طويل المدى.

*تميزت اختياراتك الفنية بالاشتغال على البورتريه والجسد الحي الصارخ والحركات الإيمائية لكائنات حيوانية. كيف يمكن قراءة أسلوب يوسف سعدون وسط هذا التنوع البصري؟
-إذا أردنا قراءة تجربتي ضمن أفق جمالي أوسع، فيمكن القول إنها تجربة تشكلت عبر تحولات متتابعة، حيث انتقلت من جمالية الأثر البصري إلى جمالية العلامة الثقافية، ثم إلى جمالية الجسد، بوصفه مجالا للتعبير الوجودي. في المرحلة الأولى، التي ارتبطت بمدن الشمال مثل تطوان وشفشاون، كان اهتمامي منصبا على التقاط أثر الضوء واللون في الفضاء المعماري. كانت الأبواب القديمة والأزقة والجدران العتيقة موضوعا أساسيا في أعمالي الأولى، ويمكن النظر إلى تلك المرحلة بوصفها مرحلة انطباعية تستند إلى ما يسميه بعض منظري علم الجمال جمالية الأثر؛ أي محاولة الإمساك بالانطباع الحسي المباشر الذي يتركه المشهد في عين الفنان. لكن اللوحة بالنسبة لي لم تكن مجرد تسجيل بصري للمكان. لذلك بدأت التجربة تتجه تدريجيا نحو البحث في العلامة الثقافية، وهو ما تجسد في مرحلة الاشتغال على الرمز الأمازيغي، حيث حاولت قراءة هذه العلامات التراثية داخل مقاربة تشكيلية معاصرة. وقد تعزز هذا البحث من خلال تجربة فنية مشتركة مع الفنانة الفرنسية هيلين بيافنو- فورتان (Hélène Biefnot-Fortin) حيث كان الاشتغال منصبا على تحويل الرمز إلى عنصر بصري مفتوح على التأويل. لاحقا، ومع استقراري في المضيق (شمال المغرب)، بدأت التجربة تتجه أكثر نحو الاشتغال على الجسد باعتباره أرشيفا للانفعال الإنساني. في هذه المرحلة لم يعد الجسد مجرد موضوع تصويري، بل أصبح فضاء للتعبير عن التوتر والحركة والطاقة الداخلية. وقد تأثرت في هذا السياق بطاقة التعبير الجسدي التي نجدها في فن الفلامنكو، حيث تتحول الإيماءة إلى لغة قائمة بذاتها. في هذا الأفق، ظهرت أيضا صورة الفرس داخل بعض أعمالي، ليس بوصفه عنصرا سرديا أو زخرفيا، بل ككائن رمزي قوي الحضور في المخيال المتوسطي. فالفرس في الثقافة الإنسانية يرمز غالبا إلى الحرية والطاقة والاندفاع، لكنه في لوحاتي يمثل أيضا ذلك الكائن الذي يقاوم الفوضى ويبحث عن أفق مفتوح. إنه نوع من الاستعارة البصرية للإنسان نفسه في صراعه مع العالم.
من الناحية التقنية، أشتغل غالبا بتقنيات مختلطة، حيث أجرب تفاعلات مواد متعددة على السند. ما يهمني في هذه التجارب هو الأثر الذي تتركه المادة على سطح اللوحة. فالسطح التشكيلي بالنسبة لي ليس مجرد حامل للصورة، بل مجال تتراكم فيه الطبقات والعلامات والآثار، وهو ما يمنح العمل نوعا من الذاكرة المادية. بهذا المعنى، يمكن القول إن تجربتي تحاول أن تنتقل من تمثيل الواقع إلى إعادة بناء معناه بصريا، حيث تتحول اللوحة إلى فضاء للحوار بين اللون والجسد والرمز، وهو مسار يقود في النهاية إلى لغة تشكيلية أقرب إلى التعبيرية.

*يشعر متأملو لوحاتك وكأن الكائنات تواجه طوفانا أزرق. كيف تقرأ هذه المرحلة من تجربتك؟
– مرحلة الأزرق في تجربتي ارتبطت أساسا بفترة الاستقرار في المضيق، حيث البحر حاضر في الأفق بشكل يومي. هذا الحضور جعل اللون الأزرق يتسلل تدريجيا إلى اللوحات. ولا شك في أن للأزرق حضورا قويا في تاريخ الفن الحديث، كما نجد في تجربة فاسيلي كاندينسكي، الذي اعتبر الأزرق لونا روحانيا يرتبط بالعمق، أو في المرحلة الزرقاء لدى بابلو بيكاسو، حيث أصبح اللون تعبيرا عن القلق الإنساني، وصولا إلى التجربة الراديكالية للفنان إيف كلاين، الذي جعل الأزرق فضاء شبه ميتافيزيقي. غير أن علاقتي بهذا اللون ظلت مختلفة، لأنه بالنسبة لي مرتبط بذاكرة البحر وبالأفق المتوسطي. ومع ذلك يمكن القول إنني أعيش اليوم نوعا من القطيعة مع الأزرق، متجها نحو ألوان أكثر دفئا وترابية، أقرب إلى الأرض والذاكرة الأولى.

*بصفتك مدرسا للفنون التشكيلية، كيف تقيم واقع التربية الفنية داخل المدرسة المغربية؟
– تعيش التربية الفنية داخل المدرسة المغربية، للأسف، نوعا من التراجع. ففي فترات سابقة كان هناك تكوين متخصص لأساتذة الفنون التشكيلية، وهو ما كان يضمن حضورا فعليا لهذه المادة داخل المنظومة التعليمية. لكن مع مرور الوقت تم الاستغناء تدريجيا عن هذا التكوين، ما أدى إلى تراجع حضور المادة، وربما إلى انقراضها تدريجيا داخل بعض المؤسسات التعليمية. وهذا أمر مؤسف لأن التربية الفنية ليست ترفا تربويا، بل عنصر أساسي في بناء الحس الجمالي وفي تكوين شخصية قادرة على الإبداع.

*تعرض في مهرجان أفينيون الأندلسي لوحاتك الجديدة. ما أهمية هذا الحدث بالنسبة لك؟
-علاقتي بمدينة أفينيون وبالمهرجان الأندلسي الذي ينعقد فيها (Festival Andalou d’Avignon) علاقة ممتدة عبر سنوات من الحضور والمشاركة، سواء من خلال المعارض الفنية، أو عبر الاشتغال البصري على الملصقات الرسمية للمهرجان، كما هو الحال في ملصق هذه الدورة. تقام دورة هذا العام من المهرجان خلال الفترة الممتدة من 20 مارس/آذار إلى 3 أبريل/نيسان 2026، وهي دورة تحمل طابعا خاصا لكونها الدورة الفضية، ما يمنحها رمزية احتفالية متميزة في مسار هذا الحدث الثقافي، الذي أصبح موعدا سنويا مهما في المشهد الفني الأندلسي والمتوسطي. أما معرضي الجديد، الذي يُعرض ضمن فعاليات المهرجان، فقد تم تحديد افتتاحه يوم 24 مارس 2026 في مدينة أفينيون، وهو أول تقديم رسمي لهذه التجربة الفنية الجديدة. وأعتبر هذا الموعد لحظة ذات دلالة خاصة في مساري، لأنه يمثل عرضا أوليا لمجموعة أعمال أنجزتها ضمن مرحلة إبداعية حديثة، وأردت أن يكون الكشف عنها في سياق ثقافي يحظى بالاحترام والاهتمام. وهذه المشاركة ليست مجرد عرض فني عابر، بل هي تحية تقدير لهذا المهرجان الذي أسهم في ترسيخ روح التلاقي الثقافي بين ضفتي المتوسط، واحتفى عبر سنواته بروح الأندلس بوصفها نموذجا تاريخيا للتعايش والانفتاح الحضاري.