
القاهرة ـ «القدس العربي»: «الصعوبة تكمن في أن تصنع فيلماً ترضى عنه، ويُرضي المنتج، ويعجب الجمهور ويحفزه على التفكير.. أن يشاهد الناس الفيلم مرتين وثلاثا.. فالسينما يجب أن تكون كالموسيقى، تُسمع وتُشاهد أكثر من مرة، وفي كل مرة يصلك معنى جديد». (داود عبد السيد)
تبدو تجربة المخرج المصري داود عبد السيد (23 نوفمبر/تشرين الثاني 1946 ــ 27 ديسمبر/كانون الأول 2025) تجربة استثنائية في السينما المصرية، بداية من وجهة النظر المختلفة التي تتميز بها موضوعات أفلامه، وكذا كيفية معالجة هذه الموضوعات، ومدى تماسها مع المجتمع المصري في شكل تحليل اجتماعي وفلسفي غير مباشر. ومن هنا تختلف تجربة عبد السيد تماماً عن الكثيرين من مجايليه، أو من اصطلح على تسميتهم بـ(رواد الواقعية الجديدة) في السينما المصرية.. عاطف الطيب، محمد خان، وخيري بشارة، الذين تشكّل وعيهم جرّاء هزيمة 1967.
الملمح الآخر لسينما عبد السيد، أنها عبارة عن فيلم واحد، أو حكاية واحدة لم تنفصل أو تتغيّر ـ كالروائيين الكبار ـ وما الأفلام المختلفة التي صنعها، إلا تنويعات بشكل أو بآخر لفكرة واحدة تدور حول الذات واختباراتها الدائمة، في واقع لا تستقيم معها، حالة التوتر الدائم هذه هي ثيمة أفلام السيد.
أخرج عبد السيد (9) أفلام هي.. «الصعاليك» 1985، «البحث عن سيد مرزوق» 1990، «الكيت كات» 1991، «أرض الأحلام» 1993، «سارق الفرح» 1994، «أرض الخوف» 1999، «مواطن ومخبر وحرامي» 2001، «رسائل البحر» 2010، و»قدرات غير عادية» 2015. و(3) أفلام وثائقية.. «وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم» 1976، «العمل في الحقل» 1979، و»عن الناس والأنبياء والفنانين» 1980.
وبمناسبة اليوم الأربعين لرحيل داود عبد السيد، أقيمت ليلة احتفائية في المسرح الصغير في دار الأوبرا المصرية، وتم عرض فيلم وثائقي بعنوان «البحث عن داود عبد السيد»، الفيلم إنتاج قناة «الجزيرة الوثائقية»، تصوير كمال سمير، مونتاج عماد ماهر، صوت كمال عز، موسيقى راجح داود، مادة بحثية أسامة عبد الفتاح، وسيناريو وإخراج أسامة العبد.
من التكريم إلى الذكرى
في الندوة التي أعقبت العرض أشار المنتج المنفذ للفيلم محمد عبد الوهاب، إلى أن العمل كان من المفترض أن يكون تحية للأستاذ داود، الذي وافق على التصرير معه، فبداية التفكير في المشروع كانت نهاية عام 2024، وبدأ التصوير في 2025، وانتهى قبل وفاته، ليتحول الفيلم من تحية لداود عبد السيد إلى رسالة وداع. من ناحية أخرى ضم الفيلم لقاءات مع عدة شخصيات أثّرت وتأثرت بحياتها مع داود عبد السيد، على رأسها زوجته الصحافية كريمة كمال، كذلك كل من الموسيقار راجح داود، ومهندس الديكور أنسي أبو سيف، إضافة إلى شهادات المخرج علي بدرخان، المنتج حسين القلا، والناقد عصام زكريا.
أورفيوس الأسود
يبدأ الفيلم في شكل (دوكيودراما) عن طفل صغير يمثل داود عبد السيد، وصعوده درجات سلم حتى قاعة عرض سينمائي، وعلى الحائط أفيشات أفلام عبد السيد، ومشاهدة الطفل لفيلم (أورفيوس الأسود) إخراج الفرنسي مارسيل كامو (1912 ــ 1982) الذي حاز عنه جائزتي السعفة الذهبية 1959، والأوسكار 1960. هنا وعلى لقطات من الفيلم يأتي صوت داود عبد السيد ليوضح مدى تأثير هذا الفيلم عليه، وهو الذي جعله يلتفت إلى الفن السينمائي. كذلك أشار المخرج أسامة العبد إلى مدى تأثير الفليم في أفلام عبد السيد، وهي لافتة ذكية، من حيث طبيعة الجو الكرنفالي في الفيلم وما يقابله في مشهد مماثل في فيلم «قدرات غير عادية» آخر أفلام داود عبد السيد. هذه البداية القوية للفيلم الوثائقي لم يستمر نهجها بعد ذلك، إذ اتبع الفيلم الشكل التقليدي من حوارات، أو تعليق المشاركين على الرجل وأعماله السينمائية.
الطبقة الوسطى وهزيمة 67
ينتمي عبد السيد إلى الطبقة الوسطى، وقت أن كانت الحدود معروفة بين الطبقات، وبالتالي فهو يحمل قيمها الفكرية والجمالية، وحسب قوله في أحد حواراته أتاح له ذلك فرصة للتأمل ومراقبة الأحداث، وهكذا نجد أبطاله الذين لا يكتفون بالتأمل، بل يتورطون درامياً في الأحداث، كما في أفلام «البحث عن سيد مرزوق»، «أرض الأحلام»، «مواطن ومخبر وحرامي»، «رسائل البحر» و»قدرات غير عادية». هنا تتضح علاقة الفرد بمجتمعه والسلطة التي تتحكم في مصيره، سلطة خفيّة يستشعرها تحت الجلد، ويحاول الانفلات منها. أما التحولات السياسية والاجتماعية المباشرة، فنجد صداها في فيلمي «الصعاليك» و(سارق الفرح)، حيث الأول كان معالجة مصرية تماماً لفكرة فيلم «بورسالينو» 1970 إخراج جاك ديري، بينما الآخر شكل من أشكال التأسي للطبقة الدنيا وعالمها ومشكلاتها، دون أن ينسى عبد السيد أن يختلق شخصية مراقب شعبي أسطوري (شخصية رُكبَه)، الذي يبحث عن الجمال وسط كل هذا القبح، ويدفع حياته ثمناً لهذا الجمال عند الإحساس به أو توهم امتلاكه. أما فكرة الذات ومواجهة العالم، فتجلت في فيلمه الأشهر «الكيت كات»، حيث البطل الذي لا يعترف بعاهته، ويتجاوزها، ويأتي «أرض الخوف» ليتخذ من الفلسفة إطاراً لمناقشة وضع سياسي مأزوم، هذا الفرد الذي كانت له مهمة محددة وطريق واضح، أصبح تائهاً ومُطارداً لا يعرف شيئاً، وهي معالجة هي الأكثر نضجاً في السينما المصرية، لمناقشة وضع جيل هزيمة 1967، وهو ما استشهد به الفيلم الوثائقي نفسه، عند حديثه عن تأثير هذه الصدمة الكبرى، والذي وضحها عبد السيد في حواره بالفيلم، على أنها صدمة رغم مرور الزمن لم نزل نعاني منها بشكل أو بآخر.
في يناير/كانون الثاني 2022 أعلن داود عبد السيد اعتزاله العمل السينمائي نهائياً، ولعلها المرّة الوحيدة التي يتحلى صانع سينما بمثل هذه الشجاعة، وبرر عبد السيد هذا القرار بقوله.. «مبقتش أعرف الجمهور دلوقتي عايز إيه؟».
وفي الأخير نختتم بكلمات داود عبد السيد.. «ما صنعته هو ما كان بمقدورى فعله.. أنجزت جزءاً جيداً، وربما هناك جزء آخر لم أستطع تحقيقه».
